الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الجزء الثاني : أين تكمن منابع الوحشية الاسرائيلية وما هي الجذور الفكرية والأيديولوجية لها

هناك رواية للكاتب الانكليزي جوزيف كونراد بعنوان قلب الظلام يصف في هذه الرواية بقدر كاف من الرومانسية الأجواء العامة للاستغلال الاستعماري الكولونيالي في الكونغو ..والفرنسيون استغلوا بشدة جنوبي شرقي آسيا في فيتنام فضلا عن شمالي أفريقيا وللحقيقة لم يأت الغرب الى أي مكان كشريك ، بل جاء الى كل مكان بالقوة وهذا كله يشكل منظومة العقلية الغربية التي ترى أن الغربيين كعرق راقٍ متفوق وحضارتهم حضارة تكنولوجية راقية ، تتمتع بالأفضلية على الشعوب الأخرى المتخلفة بحسب رأيهم كفكرة ، عبر الرجل الأبيض نعم هو الرجل الأبيض .

أي أن المبدأ هو إذا كان أحدهم يمتلك سلاحاً متطوراً وأمامه سكان أصليون لا يمتلكون سلاحا فمن الضروري أن يستعمل السلاح ويطلق النار على السكان الأصليين حتماً ، ولا ضرورة للتفاهم معهم بالطرق السلمية فهم لن يوافقوا على التنازل عن أرضهم بكل الأحوال وهذا هو موقف جابوتنسكي : إذا استعمل السلاح وقتل من قتل من السكان الأصليين فسيخافون ويخضعون ومن يبقى على قيد الحياة سيوافق على الاحتلال وهذا دليل آخر على أن سياسة إسرائيل وثيقة الارتباط بأيديولوجيا مؤسسي الصهيونية وبأيديولوجيا الغرب .

رأينا ذلك أثناء أحداث العراق في تسعينيات القرن الماضي أثناء العقوبات التي شملت الاحتياجات الطبية والأدوية ….وفي العام 1996 طُرح على مادلين أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ، سؤال عن العقوبات بحق العراق وكان السؤال على النحو التالي : سمعنا أن نصف مليون من الأطفال العراقيين قد ماتوا وهذا أكثر مما قتل في هيروشيما فهل يستحق الأمر ذلك ، أجابت أولبرايت بأن الأمر يستحق ذلك لإضعاف نظام صدام حسين ، ونرى اليوم أن سياسة الإبادة الجماعية التي اتبعتها إسرائيل في غزة هي صدى السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة في العراق .

وهي أن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت لا أخلاقية ولا إنسانية وأدت الى قتل عدد كبير من الأطفال ، ولا بأس من كل ذلك إذا تحققت أهداف الجيوسياسية الاستراتيجية بهذا الشكل أو ذاك ، طبعاً الغرب هو ماكينة الهيمنة وهو الذي أنشأ النظام المالي الرأسمالي للهيمنة ، وهو الذي أنشأ النظام العسكري للرأسمالية وهو الذي يريد حكم وإدارة العالم بأسره وضمناً روسيا الاتحادية وأراضي المجال ما بعد السوفياتية ، ويريد الحكم والإدارة في مكان ما مباشرة وفي أماكن أخرى من خلال النخب المحلية المندمجة مع النخب العالمية .

وفي أماكن أخرى من خلال إقامة دول أخرى من قبل إسرائيل وأن مشكلة إسرائيل في حقيقة الأمر تكمن في أنها لا تزال عالقة في القرن العشرين … وعزى وجود إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة يتلخص في أمر واحد فقط : لقد أقيم كجيب وككيان حديث مهمته ترهيب الشرق الأوسط ، ولذلك كانت إسرائيل ولا تزال مدججة بالسلاح خلاف أي دولة من دول المنطقة ، ومسلحة بأحدث الطائرات وبالسلاح النووي في مئة وستين رأساً نووياً تقريباً  ، وهذا كله عطاءً أميركياً وجزئياً فرنسي ففي عام   واحد وأربعين كتب منظر الصهيونية الآخر حاييم وايزمن يقول :” إذا وافقت بريطانيا على دعم الاستيطان اليهودي فسوف يقيم اليهود في فلسطين حماية مضمونة لقناة السويس ” .

الآن لو وضعنا الولايات المتحدة الأميركية في هذا الكلام محل بريطانيا لصار المعنى أن إسرائيل كانت ضرورية للأميركيين لكي يقدم العرب النفط لهم صاغرين ، ولدينا اقتباس مثير للاهتمام من كتاب ” الصهيونية في زمن الدكتاتورية ” لمؤلفه ليني برينر يقول الكاتب : ” كانت مجموعات بيتار اليهودية القتالية فصائل اقتحام حقيقية تعتنق أديولوجيا على غرار الاشتراكيين القوميين الألمان ( النازيين ) وكان شعارها فلسطين لليهود وفي عام 31 نشرت مجلة تابعة للفرع الأميركي لبيتار مقالاً جاء : ” فيه لو أن هرتزل كان فاشياً هتلريا ، ولو أن معظم اليهود سيوجدون على ضفتي نهر الأردن ولو أن الدولة اليهودية ستقوم في فلسطين وتحل مشكلات الأمة اليهودية الاقتصادية والسياسية والثقافية ، لو كل هذا يسمى هتلرية فنحن إذن هتلريون ” .

وعشية الحرب العالمية الثانية كان أتباع جابوتنسكي يسيرون بانتظام عسكري في شوارع وارسو وهم يرتدون اللباس البني لقوات العاصفة ، ويحيّون بعضهم البعض بهتاف كالهاي ويهتفون المانيا لهتلر إيطاليا لموسوليني فلسطين لنا ، وقد أطلق الصهاينة اليساريون على جابوتنسكي لقب دوتشي أي الزعيم عند الفاشيين الايطاليين ، وبن غوريون الذي صار رئيس إسرائيل وصف جابوتنسكي  بغلاديمورهتلر والزعيم الإيطالي موسوليني نفسه وصف جابوتنسكي بالفاشي اليهودي ، وقال لدافيد براد الذي صار فيما بعد حاخام روما كي تنجح الصهيونية يجب أن يكون لكم دولة مع علم يهودي ولغة يهودية .

والوحيد الذي يعي ذلك جيداً هو فاشي جابوتنسكي وفي نوفمبر من عام ثلاثة وأربعين سمح موسوليني بقبول وحدة البيتار في الأكادمية البحرية الفاشية في مدينة شيبيتا فيكيا ، وفي عام 36 أشرف موسوليني شخصياً على العرض العسكري الذي نظمته بيتار في هذه المدينة ، ونشير الى أن حزب موسوليني كان يحظى عموما بشعبية كبيرة وسط اليهود الايطاليين ذوي الميول المناهضة للبلشفية ، وأثناء اجتماعه بموسوليني في نوفمبر من عام سبعة وعشرين قال رئيس اللجنة التنفيذية اليهودية ناحوم سيكالوف : ” نحن اليوم نفهم الطبيعة الحقيقية للفاشية واليهود الفاشيون لم يناضلوا ضد الفاشية قط ” .

يتبع في الجزء الثالث

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...