الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
19°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الجزء الثاني : أين تكمن منابع الوحشية الاسرائيلية وما هي الجذور الفكرية والأيديولوجية لها

هناك رواية للكاتب الانكليزي جوزيف كونراد بعنوان قلب الظلام يصف في هذه الرواية بقدر كاف من الرومانسية الأجواء العامة للاستغلال الاستعماري الكولونيالي في الكونغو ..والفرنسيون استغلوا بشدة جنوبي شرقي آسيا في فيتنام فضلا عن شمالي أفريقيا وللحقيقة لم يأت الغرب الى أي مكان كشريك ، بل جاء الى كل مكان بالقوة وهذا كله يشكل منظومة العقلية الغربية التي ترى أن الغربيين كعرق راقٍ متفوق وحضارتهم حضارة تكنولوجية راقية ، تتمتع بالأفضلية على الشعوب الأخرى المتخلفة بحسب رأيهم كفكرة ، عبر الرجل الأبيض نعم هو الرجل الأبيض .

أي أن المبدأ هو إذا كان أحدهم يمتلك سلاحاً متطوراً وأمامه سكان أصليون لا يمتلكون سلاحا فمن الضروري أن يستعمل السلاح ويطلق النار على السكان الأصليين حتماً ، ولا ضرورة للتفاهم معهم بالطرق السلمية فهم لن يوافقوا على التنازل عن أرضهم بكل الأحوال وهذا هو موقف جابوتنسكي : إذا استعمل السلاح وقتل من قتل من السكان الأصليين فسيخافون ويخضعون ومن يبقى على قيد الحياة سيوافق على الاحتلال وهذا دليل آخر على أن سياسة إسرائيل وثيقة الارتباط بأيديولوجيا مؤسسي الصهيونية وبأيديولوجيا الغرب .

رأينا ذلك أثناء أحداث العراق في تسعينيات القرن الماضي أثناء العقوبات التي شملت الاحتياجات الطبية والأدوية ….وفي العام 1996 طُرح على مادلين أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ، سؤال عن العقوبات بحق العراق وكان السؤال على النحو التالي : سمعنا أن نصف مليون من الأطفال العراقيين قد ماتوا وهذا أكثر مما قتل في هيروشيما فهل يستحق الأمر ذلك ، أجابت أولبرايت بأن الأمر يستحق ذلك لإضعاف نظام صدام حسين ، ونرى اليوم أن سياسة الإبادة الجماعية التي اتبعتها إسرائيل في غزة هي صدى السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة في العراق .

وهي أن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت لا أخلاقية ولا إنسانية وأدت الى قتل عدد كبير من الأطفال ، ولا بأس من كل ذلك إذا تحققت أهداف الجيوسياسية الاستراتيجية بهذا الشكل أو ذاك ، طبعاً الغرب هو ماكينة الهيمنة وهو الذي أنشأ النظام المالي الرأسمالي للهيمنة ، وهو الذي أنشأ النظام العسكري للرأسمالية وهو الذي يريد حكم وإدارة العالم بأسره وضمناً روسيا الاتحادية وأراضي المجال ما بعد السوفياتية ، ويريد الحكم والإدارة في مكان ما مباشرة وفي أماكن أخرى من خلال النخب المحلية المندمجة مع النخب العالمية .

وفي أماكن أخرى من خلال إقامة دول أخرى من قبل إسرائيل وأن مشكلة إسرائيل في حقيقة الأمر تكمن في أنها لا تزال عالقة في القرن العشرين … وعزى وجود إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة يتلخص في أمر واحد فقط : لقد أقيم كجيب وككيان حديث مهمته ترهيب الشرق الأوسط ، ولذلك كانت إسرائيل ولا تزال مدججة بالسلاح خلاف أي دولة من دول المنطقة ، ومسلحة بأحدث الطائرات وبالسلاح النووي في مئة وستين رأساً نووياً تقريباً  ، وهذا كله عطاءً أميركياً وجزئياً فرنسي ففي عام   واحد وأربعين كتب منظر الصهيونية الآخر حاييم وايزمن يقول :” إذا وافقت بريطانيا على دعم الاستيطان اليهودي فسوف يقيم اليهود في فلسطين حماية مضمونة لقناة السويس ” .

الآن لو وضعنا الولايات المتحدة الأميركية في هذا الكلام محل بريطانيا لصار المعنى أن إسرائيل كانت ضرورية للأميركيين لكي يقدم العرب النفط لهم صاغرين ، ولدينا اقتباس مثير للاهتمام من كتاب ” الصهيونية في زمن الدكتاتورية ” لمؤلفه ليني برينر يقول الكاتب : ” كانت مجموعات بيتار اليهودية القتالية فصائل اقتحام حقيقية تعتنق أديولوجيا على غرار الاشتراكيين القوميين الألمان ( النازيين ) وكان شعارها فلسطين لليهود وفي عام 31 نشرت مجلة تابعة للفرع الأميركي لبيتار مقالاً جاء : ” فيه لو أن هرتزل كان فاشياً هتلريا ، ولو أن معظم اليهود سيوجدون على ضفتي نهر الأردن ولو أن الدولة اليهودية ستقوم في فلسطين وتحل مشكلات الأمة اليهودية الاقتصادية والسياسية والثقافية ، لو كل هذا يسمى هتلرية فنحن إذن هتلريون ” .

وعشية الحرب العالمية الثانية كان أتباع جابوتنسكي يسيرون بانتظام عسكري في شوارع وارسو وهم يرتدون اللباس البني لقوات العاصفة ، ويحيّون بعضهم البعض بهتاف كالهاي ويهتفون المانيا لهتلر إيطاليا لموسوليني فلسطين لنا ، وقد أطلق الصهاينة اليساريون على جابوتنسكي لقب دوتشي أي الزعيم عند الفاشيين الايطاليين ، وبن غوريون الذي صار رئيس إسرائيل وصف جابوتنسكي  بغلاديمورهتلر والزعيم الإيطالي موسوليني نفسه وصف جابوتنسكي بالفاشي اليهودي ، وقال لدافيد براد الذي صار فيما بعد حاخام روما كي تنجح الصهيونية يجب أن يكون لكم دولة مع علم يهودي ولغة يهودية .

والوحيد الذي يعي ذلك جيداً هو فاشي جابوتنسكي وفي نوفمبر من عام ثلاثة وأربعين سمح موسوليني بقبول وحدة البيتار في الأكادمية البحرية الفاشية في مدينة شيبيتا فيكيا ، وفي عام 36 أشرف موسوليني شخصياً على العرض العسكري الذي نظمته بيتار في هذه المدينة ، ونشير الى أن حزب موسوليني كان يحظى عموما بشعبية كبيرة وسط اليهود الايطاليين ذوي الميول المناهضة للبلشفية ، وأثناء اجتماعه بموسوليني في نوفمبر من عام سبعة وعشرين قال رئيس اللجنة التنفيذية اليهودية ناحوم سيكالوف : ” نحن اليوم نفهم الطبيعة الحقيقية للفاشية واليهود الفاشيون لم يناضلوا ضد الفاشية قط ” .

يتبع في الجزء الثالث

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...