ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. إن التوغل الإسرائيلي المتزايد جنوباً والسيطرة على مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقيف، وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات باتجاه مناطق تقع شمال خطوط الاشتباك التقليدية، كلها مؤشرات تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل تعمل على فرض واقع جغرافي وسياسي جديد طويل الأمد.
وبينما تتواصل المساعي الدبلوماسية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الوضع نحو حرب شاملة، يعيش عشرات الآلاف من اللبنانيين واقع النزوح والخوف وفقدان المنازل وسبل العيش. قرى بكاملها تعرضت لدمار هائل، في مشهد يعيد إلى الأذهان صوراً مؤلمة من حروب سابقة ظن كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.
يرى البعض أن ما يحدث ليس إعادة تقسيم جغرافية بالمعنى التقليدي للكلمة، فلا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على تغيير رسمي للحدود المعترف بها دولياً. لكن ذلك لا ينفي وجود محاولات لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والسيطرة والأمن. ففي عالم اليوم، قد لا يكون تغيير الحدود هو الهدف الأول، بل فرض مناطق عازلة، وإعادة توزيع مراكز القوة، وخلق وقائع ميدانية تصبح مع الوقت حقائق سياسية يصعب التراجع عنها.
وهنا تبرز المخاوف المتزايدة من أن يتحول الجنوب اللبناني إلى نموذج جديد من إدارة الصراع عبر الجغرافيا حيث تصبح بعض المناطق غير قابلة للحياة الطبيعية، وتُفرض ترتيبات أمنية بحكم الأمر الواقع، بينما يبقى الحل السياسي مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل التصعيد في لبنان عن التعثر المستمر في المفاوضات الأميركية الإيرانية. فكلما ازدادت الهوة بين واشنطن وطهران، ارتفعت احتمالات استخدام ساحات المنطقة كورقة ضغط متبادلة. لبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتعقيداته الداخلية، يبقى أحد أكثر هذه الساحات حساسية وتأثراً.
أما الحديث عن “شرق أوسط جديد”، فهو ليس جديداً في ذاته. فقد تكرر هذا المصطلح مراراً خلال العقود الماضية، من غزو العراق إلى الحرب السورية وصولاً إلى اتفاقات التطبيع والحروب المتلاحقة في غزة. لكن الجديد اليوم هو حجم التشابك بين الملفات، وسرعة التحولات، وتراجع قدرة القوى الإقليمية التقليدية على ضبط مسار الأحداث.
في النهاية، قد يكون من المبكر الجزم بأن المنطقة تتجه نحو إعادة تقسيم شاملة أو انهيار كامل للنظام الإقليمي القائم. لكن من الواضح أن الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل سنوات لم يعد موجوداً بالشكل نفسه. هناك خرائط جديدة تُرسم، ليس بالضرورة على الورق، بل على الأرض وفي موازين القوى وفي معادلات الردع والسياسة.
ويبقى لبنان، كما كان دائماً، في قلب العاصفة؛ يدفع أثمان الصراعات الكبرى، بينما ينتظر أبناؤه إجابة ما زالت غائبة: هل ما يجري مجرد محطة جديدة في صراع طويل، أم أننا نشهد بالفعل ولادة شرق أوسط مختلف تماماً ؟


