الجمعة، 24 يوليو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

هكذا تنقلب الصور في سيكولوجية الحروب

أحيانًا قد تكون الخسارة مكسبًا، بحسب من هم اللاعبون وما هي أهدافهم.
وفي لعبة الحرب كذلك هو الحال. وللتوضيح تكفي حرب غزة أمام أمم الأرض،
أو صمود أوكرانيا ثلاث سنوات في حربها مع روسيا، الدولة التي كانت يومًا ما تقود معسكر نصف الأرض وتمتلك الفيتو والسلاح النووي.
فماذا عن حرب “إسرائيل”على لبنان؟
على مدى سبعة عشر عامًا مرّ لبنان بواحدة من أطول فترات الهدوء مع العدو الإسرائيلي،
هذا الهدوء أتى بعد نصر تموز 2006، واستمر حتى عملية طوفان الأقصى، ودخول المقاومة في إسناد غزة عام 2023.
طوال مدة الهدوء كان العدو الإسرائيلي يعيد بناء جيشه ويعمل على مراكمة المعلومات، لنعرف لاحقًا حجم إحاطته واطباقه نتيجة ما حصل.
في المقابل عملت المقاومة على بناء جيش وامتلكت قوة لا يستهان بها، هذه القوة تربّى عليها جيلان من أبناء مجتمع المقاومة،
الذي وعى وهو يعرف أن المقاومة رمز للقوة والشجاعة والبطولات، وهي كذلك فعلًا.
مع بداية الحرب إسنادًا لغزة بدا أن شيئًا في المشهدية غير مريح، من:
كثرة عدد القتلى .
اغتيالات القادة التي بدأت باكرًا مطلع العام 2024 مع اغتيال البطلين وسام الطويل وصالح العاروري.
كانت الدقة في التنفيذ والأسلوب لافتة حدّ الصدمة. واستمر الحال على هذا المنوال إلى يوم وقف إطلاق النار، مرورًا بعملية البيجر واللاسلكي وقتل كبار القادة، وصولًا إلى السيدين نصرالله وصفي الدين.
أتى وقف النار بطريقة ملتبسة، إذ إن حجم الخسائر والدمار بعد وقف النار كان أضعافًا مضاعفة عمّا حصل على مدى عام كامل.
قبلت المقاومة وقف النار والتزمت به التزامًا كاملًا، مدّعية الصبر والعقلانية. وبغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الصبر قرارًا أم إلزامًا قهريًا،
إلا أن المشهد كان سوداويًا نتيجة انقلاب الصورة في العقل الجمعي للمقاومة وجمهورها، الذي كان يمنّي النفس بزوال “إسرائيل” واستعداده لدخول شمال فلسطين في أي معركة ستحصل.
أتت حسابات الحقل عكس حسابات البيدر، لتتحول معها نتيجة الحرب إلى أضعاف مضاعفة.
وبنتيجة ما حصل استطاع الأمريكي العودة للداخل اللبناني من الباب الواسع، ودون أي معارضة تُذكر.
عون رئيسًا للبلاد، ومعه خطاب قسم يتمحور حول بند واحد: سلاح المقاومة.
نواف رئيسًا للحكومة، وبيان وزاري يتحدث عن نزع السلاح.
وعلى مدى خمسة عشر شهرًا كانت النتائج كالتالي:
استباح العدو كل لبنان.
اغتيالات وقتل وتدمير.
حصار مالي لمنع الإعمار، وهو ما كان مطلبًا يطرحه رئيس الجمهورية في لقاءاته مع قادة الدول وسفرائهم، ولا سيما دول الخليج. وللغاية مُنع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار بيروت.
وأصبحت حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين خاضعة للتفتيش، في مقابل فتح المجال الجوي للطيران الأمريكي، ومن خلفه “إسرائيل”، في قاعدة حامات وما كُشف عنها مؤخرًا.
شربت السلطة حليب السباع من قرار الخامس من آب إلى السابع من أيار، وزادت في التعنت، حتى “منعت “إضاءة صورة على صخرة .
مخافر تستنفر لا لمخالفات عمرها عشرات السنين كالأملاك البحرية، بل لمنع إعمار منزل في قرى الشريط الحدودي بحجة مخالفة رخصة إعمار، واعتقال من يملك حطب تدفئة جمعه من بقايا الأشجار التي قصفها العدو في حولا، القرية الحدودية.
مارست السلطة السياسية كل صنوف الحقد والكراهية، متماهية مع اعتداءات العدو، ومتجاهلة أكثر من خمسة وثلاثين ألف خرق واعتداء.
أسرعت في قرار خطة شمال النهر، حتى لو أدى ذلك إلى دم بين أبناء الوطن الواحد.
وأدلى رئيس الحكومة في زيارته إلى الجنوب بأنه لا يملك أي ضمانات لوقف الاعتداء، ولكنه يريد السلاح.
.

كل ما تقدم غيض من فيض حقد وكراهية بعض أهل الحكم في لبنان.
صورت المقاومة وكأنها في حالة عجز أو موت سريري.
ظهر هذا العجز في جوقة المطبّلين ضيوف الشاشات ومواقع الإعلام.

صمتت المقاومة وصبرت، فُسّر صمتها اعترافًا وقبولًا بالهزيمة حدّ الوفاة.
هذه المشهدية تشبه المشهدية نفسها التي أظهرتها وتمتعت بها المقاومة قبل حرب الإسناد،
فكانت أولى النكسات تأسيسًا لسقوط أحجار الدومينو تباعًا.

انتهت المقارنات.
فجر الاثنين 2 آذار 2026،
أعلنت المقاومة الإسلامية في ذلك الفجر البيان رقم واحد عن رشقة صواريخية
أيقظت أهل الأرض والسماء.
ما بين مستنكر وخائف، حتى الأصدقاء على قلتهم صُدموا:
ماذا أنتم فاعلون؟
الحاقدون اتهموا المقاومة بأنها دمّرت لبنان عندما ساندت غزة، وتعيد الكرة في إسنادها لإيران.
وما أن انبلج صباح الثاني من آذار وانجلى غبار الصواريخ،
جنّ جنون العدو ومعه بعض أهل الحكم في لبنان،
وهم وقعوا في شر أعمالهم إذ كذبوا كذبة وصدقوها
“أن المقاومة ماتت وحان وقت دفنها” فأتت صواريخ فجر الاثنين لتصيب كل قرارات مجلس الوزراء والتي أضحت ما بين حبر على ورق وكلام خباء في الهواء.
صُدم الجمع: كيف لمقاومة مهزومة مأزومة ميتة أن تبعث من جديد بكامل أناقتها وروح شبابها؟
ومن على المسافة صفر بدأت المعارك.
العدو الذي كان يسرح ويمرح قبل أيام لقّن الدرس بالرصاص.
وعاد زمن الصراع ما بين الكورنيت وعربة الرب: الميركافا.
اليوم أتمت الحرب يومها الرابع بمشهدين رائعين لا يعرف طعمهما إلا من يعرف معنى الشرف، لا قلّته، والكرامة لا متنازل عنها بثمن بخس.

أهل صبر افترشوا أرض الشوارع في عزّ طقس بارد، والكثير منهم قد لا يملك قوت إفطار في شهر رمضان،
وجلّهم وعن بكرة أبيهم يعرف أن كلفة هذه الحرب عالية: من الأنفس إلى الرزق وجنى العمر. والكلمة واحدة فدا الشباب.

من هم الشباب؟
هم أناس أعاروا الله جماجمهم، أيتموا العيال، ووقفوا أمام أعتى قوة عراة إلا من إرادة لا تهزم ولا تقهر.
من هم الشباب؟
هم من وضعنا كرامتنا وعزتنا بين أيديهم، وكل ما نملك في هذه الدنيا تحت أقدامهم.
ونحن نثق بهم كما نثق بالله،
أنهم قادرون على حفظ الأمانة وصونها، ومعها صون دماء آلاف المضحين من أول يوم وأول قتيل في وجه العدو الإسرائيلي.
وغير ذلك من بعدكم على الدنيا العفا والسلام.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

صباح نور القدس (القدس لنا وليس فقط في الاغنية) وصباح نور لبنان الذي نحب، لبنان الكرامة وروح المقاومة، صباح العطاء بلا حدود والاخلاق النبيلة.

اليكم المشهد في وصفه الصافي كما ينقله المقال. يعني بأختصار يريدون لبنان محميةً امريكية صهيونية لبنانٌ يَجلِد نفسه بأيدي ابنائه المتحوّلين طوعاً الى حرس للمُحتل في فلسطين (لمن نسي،...

خاص مجلة " الشراع " الغرّاء

امر عظيم فرضه المولى تبارك و تعالى ان يكون الاعداد بالقوة التي تحمل عدة مواصفات فهي ليست دائما السيف و الرمح والحبال و النبال فقط ، بل هي حمّالة الاوجه و خاصة لهؤلاء الذين تحدوا...

إحذر و تذكّر لعلّ تنفع معك الذكرى!

احذر وانت تهاجم الاسلاميين المتشددين الطائفيين التكفيريين ان لا تهدم منظومة الدين الاسلامي الاخلاقية آخر خط الدفاع الواعي للناس كي لا تتحوّل لسلع ولعملات اجنبية وكي لا تتحول قصور...

الموت الرحيم... الإنسان بين رحمة السماء وتشريعات الأرض

ليس مستغربًا أن تختلف الأمم في رؤيتها للسياسة أو الاقتصاد أو أنماط الحياة، غير أن الخطورة تبلغ ذروتها عندما يمتد الاختلاف إلى أصل الوجود الإنساني، فتغدو الحياة نفسها محلَّ تصويت،...

لماذا طردت إسرائيل سكان القرى السبع الشيعية من فلسطين الى لبنان ؟

في النطاق الابتدائي لأرض فلسطين قرب الحدود اللبنانية كان هناك سبع قرى شيعية عدد سكانها حوالي 3000 نسمة حسب إحصاء 1932 تابعين للواء صفد وهي : المالكية ، قدس ، النبي يوشع ، هونين ،...

عون في واشنطن… لقاء مع ترامب الثلاثاء ورسائل سيادية في توقيت إقليمي ملتهب

في توقيت بالغ الحساسية، وصل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى واشنطن حاملاً ملفاً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين لبنان والولايات المتحدة. فالزيارة تأتي فيما يقف لبنان عند...