في مشهدٍ إقليميٍّ يزداد تعقيداً، تبدو الأحداث وكأنها تُدار على نارٍ هادئة، فيما يترقب الجميع لحظة الغليان. تمديد وقف إطلاق النار لأسابيع إضافية، في اجتماع عُقد داخل أروقة البيت الأبيض، بحضور دونالد ترامب، لم يكن مجرد إجراء تقني لشراء الوقت، بل إشارة واضحة إلى أن ما يجري أكبر من مجرد هدنة عابرة.
ترامب، الذي نجا من محاولة اغتيال جديدة أعادت خلط الأوراق داخلياً وخارجياً، لا يبدو مستعجلاً على الحسم. ينتظر الرجل، بخبرته في إدارة الأزمات، على ما يبدو نضوج “الطبخة” الإقليمية: إعادة ترتيب التموضع، تأمين منشآت الطاقة في الخليج، وتهيئة الأرضية لأي مواجهة محتملة مع إيران، إن وقعت، بحيث لا تشبه ما سبقها.
في المقابل، تواصل طهران سياسة التلويح والتصعيد، لكن حسابات الربح والخسارة لا تميل لصالحها في حربٍ مفتوحة. ومع ذلك، لا شيء يمنع من انزلاقٍ تدريجي: تصعيد محدود، ردود محسوبة، ثم مفاوضات، فـ”تسوية ما” تحفظ ماء وجه الجميع. وإن بدا هذا السيناريو مكرراً، يبقى الأكثر واقعية في منطقة اعتادت إدارة الصراعات لا حسمها.
اللافت أيضاً هو الغياب الأميركي المباشر عن بعض المسارات، كما في عدم إرسال ممثلين إلى إسلام آباد، في إشارة إلى أن بعض الجبهات لم تعد أولوية، أو ربما باتت خارج دائرة الجدوى السياسية.
أما في لبنان، فالمشهد أكثر هشاشة. الحذر هنا ليس ترفاً، بل ضرورة. فبين خروقات إسرائيلية يومية وضغوط أميركية على إسرائيل لعدم توسيع دائرة الاستهداف، يبقى الخطر الحقيقي في الداخل: فتنة محتملة، أو انزلاق غير محسوب. اللبناني، الغارق في أزماته اليومية من الكهرباء إلى المعيشة يكاد يكون آخر من يعلم بما يُحاك حوله.
ورغم ذلك، تلوح في الأفق مؤشرات تهدئة. معلومات عن دعم سعودي لمسار تفاوضي هادئ، يهدف إلى انسحاب إسرائيلي، إعادة إعمار، وحصر السلاح بيد الدولة، تعكس توجهاً عربياً لإعادة ضبط التوازن اللبناني. زيارة الأمير يزيد بن فرحان، وما حملته من تأكيد على اتفاق الطائف ودعم المؤسسات، ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من إعادة ترميم النظام السياسي من الداخل، مع خطوط حمراء واضحة، أبرزها موقع رئاسة الحكومة.
إقليمياً، تتداخل الملفات: فولوديمير زيلينسكي يجول في المنطقة بحثاً عن دعم، أوروبا تعقد اتفاقات طاقة في قبرص، والولايات المتحدة تمسك بزمام المبادرة، فيما تنشغل روسيا بحربها في أوكرانيا. هذا التداخل يمنح واشنطن هامشاً واسعاً للحركة، وربما يفسر “تساهل” ترامب النسبي مع موسكو في هذه المرحلة.
يبقى السيناريو الأخطر مرتبطاً بالطاقة: أي استهداف أميركي لإمدادات إيران قد يقابله رد مباشر على منشآت الخليج، ما يفتح الباب أمام أزمة عالمية، لا إقليمية فقط. هنا، تصبح الحرب مختلفة تماماً، لا في أهدافها ولا في أدواتها.
في الخلفية، تتآكل إيران اقتصادياً، مع خسائر متراكمة قد تفتح الباب أمام تحركات داخلية. لكن الرهان على تغيير داخلي سريع يبقى محفوفاً بالمبالغة، فالنظام أثبت مراراً قدرته على امتصاص الصدمات، ولو بثمنٍ باهظ.
وسط كل ذلك، يبقى لبنان… ذاك البلد الذي كان يوماً “مدرسة الشرق ومستشفاه”، يقف اليوم على هامش الأحداث، يتأثر بها أكثر مما يؤثر فيها. بلد الرسالة، كما وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد حياد: يحتاج إلى وعي، إلى تماسك داخلي، وإلى قدرة على تجنب أن يكون ساحةً لتصفية حسابات الآخرين.


