المرحلة اللبنانية اليوم لا تحتمل تجارب ولا تسويات على حساب هيبة الدولة. الحديث يدور مجدداً عن طرح أسماء لتولي رئاسة الحكومة، في المرحلة المقبله وأبرزها وجوه بيروتية ناشطة داخلياً وخارجياً. وبعيداً عن الأسماء، المشكلة ليست في الانتماء الجغرافي أو الطائفي، بل في المعيار الذي نحاكم به أي مرشح لأخطر موقع تنفيذي في البلد.
بيروت، عاصمة القرار والانفتاح، لا تريد أن تُختزل بصوت واحد. لكن الطائفة السنية في لبنان اليوم بحاجة إلى قيادة تمثلها فعلياً: قيادة تملك شرعية شعبية، وتاريخاً نظيفاً في المال العام، وقدرة على مخاطبة الخارج والداخل بلغة الثقة لا بلغة الشبهات.
أي طرح لرئاسة الحكومة يجب أن يُقاس على 3 معايير لا نقاش فيها:
١-النزاهة غير القابلة للمساومة
لا يمكن لمن يحمل في سيرته المالية ظلالاً من الشبهات ،أن يذهب إلى السرايا ويطلب من اللبنانيين الثقة. رئاسة الحكومة ليست منصباً لتبيض الصورة، بل هي مسؤولية عن مال الناس :عن المطار، عن الجمارك، عن كل مرفق يتسرّب منه الهدر.
من فشل في إدارة أعماله بشفافية، كيف نأتمنه على إدارة دولة مفلسة؟
٢-مشروع دولة لا مشروع شبكات.
البلد لم يعد يحتمل رؤساء حكومات يأتون كواجهة لمجموعات مصالح.
نحتاج رئيس حكومة يملك رؤية اقتصادية واضحة: كيف نعيد الثقة بالليرة، كيف نفتح التفاوض مع صندوق النقد من موقع قوة، كيف نعيد تشغيل القطاع الخاص ،بدل أن نوسّع دائرة المحسوبيات. الخطاب وحده لا يكفي، المطلوب خطة ومصداقية لتنفيذها.
٣- تمثيل حقيقي للشارع السني.
السنّة في لبنان ليسوا رقماً في معادلة. هم جزء أصيل من صيغة العيش المشترك، وغياب قيادة قوية ونظيفة يترك فراغاً يملؤه التطرف أو العزوف.
الزعامة المطلوبة اليوم هي زعامة جامعة، لا تستفز المكونات الأخرى، ولا تقايض سيادة الدولة مقابل دعم خارجي.
الرسالة إلى القوى الداخلية والخارجية واضحة: بيروت والسنّة لا يُدارون بالتكليف ولا بالتسويق. إذا أردتم استقراراً، قدّموا اسماً يصمد أمام فحص الشارع قبل فحص السفارات. اسماً لا يحتاج محامين لتجميل ماضيه، بل يحتاج فقط ملفاً مفتوحاً أمام الناس.
المرحلة المقبلة إما أن تكون بداية استعادة الدولة، أو تكون فصلاً جديداً من إعادة تدوير الوجوه. والفرق بين الاثنين هو معيار واحد: النزاهة.
لبنان لا يتحمّل تجربة خامسة. ولا بيروت تقبل أن تكون ممراً لأجندات غيرها.


