في السياسة، لا تضيع الأوطان في يوم واحد، ولا تُرسم الخرائط بقرار مفاجئ. إنها تتغير تدريجيًا، حين تُفرض وقائع جديدة على الأرض، ثم يعتاد الناس عليها، لتتحول مع مرور الوقت إلى أمر واقع يصعب تغييره.
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يفرض على كل لبناني أن يطرح أسئلة لا يجوز الهروب منها.
هل نحن أمام ترتيبات أمنية مؤقتة، أم أمام بداية مرحلة سياسية جديدة؟
وهل ستبقى هذه الإجراءات محصورة في الجنوب، أم أنها ستتحول مع الوقت إلى نموذج جديد لإدارة هذه المنطقة؟
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية..
هل يُراد لجنوب لبنان أن يصبح “الضفة الشمالية”، كما هي الضفة الغربية في فلسطين؟
لا أطرح هذا السؤال بوصفه حقيقة، ولا أدّعي أن هذا هو المسار المحتوم، بل أطرحه انطلاقًا من قراءة سياسية لما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، لأن التاريخ يعلمنا أن الوقائع الميدانية كثيرًا ما تتحول إلى وقائع سياسية إذا غابت الرؤية الوطنية القادرة على مواجهتها.
واليوم، تبدو المنطقة بأسرها أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات، ولبنان ليس بعيدًا عن هذه التحولات. والسؤال الحقيقي ليس فقط ماذا تريد القوى الخارجية، فلكل دولة مصالحها وحساباتها، بل ماذا يريد اللبنانيون لدولتهم؟
هل يريدون دولة تمتلك وحدها قرارها وسيادتها على كامل أراضيها؟ أم أن لبنان سيبقى ساحة تُدار فيها التوازنات وفق حسابات الآخرين؟
وهنا يبرز السؤال الذي قد يبدو صادمًا، لكنه يستحق أن يُطرح…
إذا أصبح الجنوب، يومًا ما، شبيهًا بالضفة الغربية في بنيته الأمنية والسياسية، فمن سيكون “محمود عباس” في جنوب لبنان؟
هذا السؤال لا يستهدف شخصًا بعينه، ولا يتهم أحدًا، بل يطرح إشكالية سياسية تتعلق بمن سيتولى إدارة أي واقع جديد إذا فُرض، ومن سيمنحه الغطاء السياسي، ومن سيتحمل مسؤوليته أمام اللبنانيين والتاريخ.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن ليس فقط فقدان جزء من أرضه، بل اعتياد شعبه على فقدان القرار الوطني، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، والواقع المفروض قدرًا لا يُناقش.
إن مستقبل الجنوب ليس شأنًا يخص أبناء الجنوب وحدهم، بل هو قضية وطنية تمس كل لبناني، لأن أي تغيير في موقع الجنوب أو دوره أو آلية إدارته ستكون له انعكاسات على مستقبل الدولة اللبنانية بأكملها.
ويبقى السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة:
هل سيتمكن اللبنانيون من حماية سيادة دولتهم ووحدة قرارها، أم أنهم سيستيقظون يومًا على واقع جديد لم يختاروه، بل فُرض عليهم تدريجيًا؟
فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تتأخر في قراءة التحولات، لكنه ينصف الشعوب التي تمتلك الشجاعة للدفاع عن سيادتها، ووحدة أرضها، وقرارها الوطني.
ولعل السؤال الأخير هو الأهم..
هل سيبقى الجنوب جنوب لبنان… أم أن لبنان مقبل على مرحلة يخشى فيها البعض أن يتحول إلى “الضفة الشمالية”؟
إنه سؤال برسم المسؤولين، وبرسم كل لبناني يؤمن بأن سيادة الوطن لا تُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على حماية الأرض، وصون القرار الوطني، ومنع فرض الوقائع قبل أن تتحول إلى حقائق.


