خارج حدود التصور والتوقع، أن تخرج ثمرة طيبة من حقل موبوء، زرع بكل ما هو سيء ومشوه ومسرطن.
لكن لأننا نتحدث عن حيوية الإنسان، والمجتمع، والمسؤولية، فإننا يجب ألا نتخلى عن مفهوم الطفرة، فكما في الكائنات الحية هناك مبدأ “الطفرة الجينية”، كذلك في السلوك والمجتمع الإنساني.
والمراهنة على الطفرة، لا تعدو أن تكون “مراهنة”، فيها كل أخطار المراهنة، وكثيرا ما يدفع إلى التفكير فيها قسوة الظلام والخراب والتشوه الذي يحيط بنا من كل جانب، لكن أيضا فيها جانب للأمل نحن كشعوب في أمس الحاجة إليه خصوصا في هذه المرحلة..
الحملة ضد الفساد التي أطلقها ويرعاها رئيس الوزراء العراقي “علي فالح الزيدي” منذ 28 / 6 / 2026 وتجري تحت راية هيئة العدالة والنزاهة وتحت مسمى “عملية الفجر”، لن تقف عند حد، وليس عندها خطوط حمراء، هكذا تعهد القائمون عليها، مؤكدين أنها ستطال الفاسدين دون النظر إلى انتماءاتهم الاجتماعية، أو مواقعهم السياسية، أو الطائفية، أو تحالفاتهم. وحتى أمس الخميس 2 / 7 / 2026 تجاوز عدد الموقوفين، أو المطلوب توقيفهم في هذه الحملة خمسين مسؤولا راهنا أو سابقا. ويرفع البعض الرقم الى أكثر من مئة مطلوب من البرلمانيين والوزراء والمسؤولين والمستشارين السابقين من كافة المكونات السياسية.
وما تنقله وسائل الإعلام عن المبالغ التي تتم مصادرتها خلال عمليات المداهمة للمشتبه بهم أكثر مما يمكن أن يجنح إليه الخيال.
** في منزل مسؤول في وزارة النفط، وجدوا 250 مليون دولار نقدا، إضافة إلى مليارات الدنانير العراقية.
** في بيت نائبة في مجلس النواب وجدوا 85 مليون دولار نقدا، ومليارات الدنانير العراقية، إضافة إلى 57 كيلو غرام ذهب….. وهكذا
وخارج هذا كله هناك العشرات من العقارات المملوكة لهؤلاء والموزعة على أقربائهم. وهناك مليارات الدولارات التي هربت إلى خارج العراق، وقد تم تحويل الكثير منها إلى عقارات وأسهم، وشركات.
والحديث عن شبكة الفساد في جسد النظام العراقي ليس جديدا، ومحاولات التصدي لهذه الشبكات ليست جديدة أيضا، لكن لأن هذه الشبكات بنيت من خلال علاقات سياسية، وتحالفات ومصالح طائفية، وعرقية، وجهوية، متشعبة فإن كل المحاولات السابقة للتصدي لها لم تكن ذات قيمة.
سياسي عراقي مرموق وصف حالة الفساد التي استشرت في العراق بأنها غير مسبوقة في أي مكان في العالم، ولا في أي زمن مضى، وبأنه لا يتوقع أن تتكرر لاحقا في أي مكان وزمان.
منير حداد المستشار القانوني لرئيس الوزراء قدر حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 بتريليوني دولار.
تقدير المستشار حداد لحجم المنهوب من ثروات العراق مهم جدا، وتحديده تاريخ هذا النهب المنظم مهم أيضا، بل هو أكثر أهمية، وذلك لصلته بقدرة الحكومة الراهنة على إتمام هذه الحملة، وبأن تذهب إلى المدى الواجب منها.
حينما يحدد العام 2003 فهذا يعني أن عملية النهب المنظم للثروات العراقية بدأت بالاحتلال الأمريكي للعراق، أي بدأت بتشريع تفكيك العراق عبر “قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية” الذي وضعه الحاكم الأمريكي بول برايمر عقب الاحتلال وترسخ في دستور 2005، واستنادا إليه تم إعادة تركيب السلطة والإدارة في العراق على أساس طائفي وعرقي.
كذلك يعني أن هذا النهب بدأ في عهد الاحتلال الذي استمر منذ العام 2003، وحتى العام 2011، وخلال هذه المرحلة تم تسليم العراق إلى السيطرة الإيرانية عبر الميليشيات والجماعات العراقية التابعة لإيران، ومن ثم استمرت وحتى اليوم وتحت الإشراف المباشر من طهران عملية نهب العراق.
وإذ تم ـ وفق دستور برايمرـ تقسيم السلطات العراقية على الأساس الطائفي والعرقي، وأعطي التحالف الشيعي التابع لإيران ـ بتسمياته المختلفة ـ السيطرة الفعلية على مقدرات العراق، فإن “رئاسة الحكومة العراقية” خلال المراحل السابقة على اختلاف الشخصيات التي تسلمتها كانت تقود عمليات النهب المنظمة للثروات العراقية، وتشاركها في ذلك ولو بنسب مختلفة كل القوى السياسية في كل المذاهب والطوائف والأعراق التي جاءت مع دبابات الاحتلال الأمريكي.
مفهوم أن تقوم قوات الاحتلال الأمريكي بما قامت به، فهي قوات احتلال، لكن من غير المفهوم أن يكون “النظام الإيراني”، راعيا للفساد في العراق، وحاميا ومحرضا عليه، ومخربا لطاقات العراق، والنظام الإيراني في كل ذلك يرفع شعارات ثورية وتحررية وإسلامية، ويؤكد بأن العراق صار تحت راياته، وبات منتظما في سلك ثورته ـ وبأن بغداد صارت جزءا من جغرافية ” ولاية الفقيه”، من غير المفهوم هذا الموقف الإيراني إلا أن تكون شعاراته الثورية التي يرفعها مجرد غطاء، وأن تعطيل دور العراق وتخريب إمكاناته، وإفساد بنيته الاجتماعية كان هدفا رئيسيا للسياسة الإيرانية، وأن إيران كانت تخشى دائما العراقَ القوي المعافى ـ بغض النظر عن طبيعته الدينية وطبيعة نظامه السياسي ـ وترى فيه منافسا لها في الدور والمكانة والتأثير.
والحق أن الأمر هكذا، وكما كان الاحتلال الأمريكي السبيل إلى السيطرة على العراق وتفكيكه، اعتمدت السيطرة الإيرانية على الإفساد المنظم طريقا للهيمنة على الطبقة السياسية التي جاءت مع المحتل الأمريكي.
لا شك أن حملة مكافحة الفساد الراهنة إذا استمرت في اتجاهها الصحيح سوف تنسف نسفا تاما كل أسس النظام العراقي المرتبط بإيران، وسوف يُفتح الباب لنظام جديد يتسق مع طبيعة المرحلة الراهنة، التي خرجت منها إيران وهي مثخنة تلملم جراحها، لكن دون أن تفقد قدرتها على تحديد مستقبل لها ولنظامها. وبالتالي دون أن تفقد كامل طموحها، ورؤيتها لدورها الإقليمي.
ولا شك أيضا أن الولايات المتحدة باتت الآن، وقد طوت بدون حسم صفحة رئيسية من صفحات الصراع مع إيران ـ وهي صفحة استهدفت بسط نفوذها ونفوذ وكيلها ” الكيان الصهيوني” على المنطقة دون منازع ـ، باتت الآن على استعداد للمساعدة في ولادة نظام جديد في بغداد يخرج عن الطوق الإيراني، ـ دون أن يخرج عن حالة العجز والعطالة التي وضعها فيه الاحتلال الأمريكي وبالتالي السيطرة الإيرانية.
ورئيس الوزراء العراقي الذي سيتجه إلى واشنطن في منتصف هذا الشهر يحمل في جعبته نتائج هذه الحملة التي تضعضع النفوذ الإيراني في العراق، كما يحمل في جعبته شعار إنهاء الوجود العسكري للميليشيات من خلال تطبيق شعار حصر السلاح بالدولة العراقية، ومطالبة هذه الميليشيات بتسليم أسلحتها للسلطات العراقية، ومن شأن تطبيق هذا الشعار أن يجرد إيران من الإمكانات العسكرية التي تتوفر لها عبر أنصارها في العراق في أي مواجهة محتملة مستقبلا مع الولايات المتحدة.
لكن ومن وجهة النظر السياسية والاجتماعية فإن نجاح الحملة ضد الفساد، ونجاح التخلص من الميليشيات المسلحة، من شأنه أن يفرض على الجيش العراقي أن يحدد لنفسه عقيدة قتالية واضحة، يتحدد من خلالها، العدو بالنسبة للعراق، والمهمة بالنسبة لفروض وواجبات الجغرافيا السياسية لهذا البلد العريق والحساس، وبالتالي طبيعة تسليح الجيش، ودوره في تحقيق أمن الإقليم، وهذه عملية معقدة، وإذا جرت في إطارها الطبيعي فإنها ستساعد على إحداث تغييرات حقيقية من خلال تراكم مهم يمكن تحقيقه في المدى المتوسط، مما يساعد في استعادة العراق بعضا من وجهه الحقيقي.
ومن شأن تطور كهذا أن يفتح أفقا لعلاقات عربية يلتقي فيها العراق مع سوريا مع دول الخليج ومصر، ولعلاقات إقليمية تلتقي فيها هذه المجموعة العربية مع كل من تركيا وإيران وحتى باكستان، تمهيدا لمرحلة جديدة كليا في المنطقة.
نحن لا نقول إن هذا متاح الآن، لكننا نقول إن تطورات بعينها قد تفتح المجال لمثل هذا التغيير، ويتقدم هذه التطورات المطلوبة بل ويعتبر شرطا رئيسيا لحدوثها تغير جذري في وضع إيران، وعلاقاتها بشعوب المنطقة ودولها، وخصوصا منها العربية، ونقول أيضا إن المؤشرات الراهنة بما فيها الحادثة في إيران تفتح فرصة لمثل هذا التطور إن أحسن استغلالها.
وفي هذا السياق فإن للعراق دورا مركزيا في فتح المجال على مثل هذا التطور في الوضع الإقليمي المحتمل والمأمول، ويرتكز هذا الدور على صوغ علاقات متوازنة مع إيران قائمة على قاعدة المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية التي تجمع البلدين، ويمكن إذا أخذت حملة مواجهة الفساد أبعادها أن تمكن القيادة العراقية من إقامة مثل هذه العلاقة مع إيران، بل وأن تساعد القيادة الإيرانية على الخروج من “وهم العظمة والعصمة” الذي صنعته “نظرية ولاية الفقيه”، والجرائم التي ارتكبتها بحق دول المنطقة وشعوبها.
وإذا كان من الطبيعي القول إن يد رئيس الوزراء العراقي ليست طليقة في حملته لمكافحة الفساد، فإن مما يجب استحضاره هنا أنه شخصيا أت من قلب منظومة الفساد التي تم “تخليقها أمريكيا وإيرانيا” في العراق.
الأمر كما هو واضح شديد التعقيد، فهل يكون ما نراه من خطوات لمحاربة الفساد يمثل كرة الثلج في مراحل اندفاعتها الأولى، وأنها ستكبر تدريجيا حتى تخلق لنفسها كيانا وقوة وتأثيرا لا يمكن تخطيه، وبالتالي نصبح أمام “طفرة جينية حقيقية” تضع العراق على بداية طريق صحيح، أم أن الحملة كلها ستقف عند حد معين يحفظ لجميع أطراف الفساد والقوى الخارجية الراعية له مصالحها، بعد التضحية ببعض الرموز، ـ وهذه حالة شهدناها في دول عديدة ـ وبذلك يتحول الفجر المرتقب من “عملية الفجر” إلى “فجر كاذب”، إلى مجرد سيف مسلط على رقاب جميع الفاسدين يهدف إلى إعادة ضبط إيقاعهم ليتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة.
لن نحلم، لكن لن نسمح للتشاؤم أن يسيطر علينا، وسنتشوف ونستشرف وقائع المستقبل وما تكشف عنه الأيام القوادم.


