لم اذهب إلى مكان ما على وجه الأرض إلا وقد وفر لي عبد الناصر قدرا من التقدير والإحترم كوني مصريا أنتمي إلى بلد الزعيم ، وفي مواطن كثيرة بكيت من محبة أهل الأرض لهذا الرجل..
في مطار صنعاء
عندما هبطت بي الطائرة في المطار، وأثناء التزاحم على الخروج ” لكزني ” أحد الرجال المسنين في ظهري فالتفت إليه ، سألني مصري ؟ قلت : نعم ، فتحدث بسرعة غريبة، كلمات كالرصاص فى سرعتها وحدتها ، بصوت عال كأنه ينادى على نوقه النافرة فى البيداء ، لم أفهم منها سوى زمان ، الأبراج ، القاهرة ، عبد الناصر، عندما رآنى أحد الشباب متحيراً غير قادر على فهمه والرد عليه، فسر لى كلمات الرجل الصنعانى ، الذي يقول أنه عندما زار القاهرة زمان وجد فيها أبراجاً ضخمة وعمارات عالية فسأل عنها أحد مرافقيه اليمنيين ، فأجابه بأن الحكومة شيدت هذه الأبراج وأسكنت الشعب فيها. فقال : عبد الناصر جاء إلى اليمن فلماذا لم يبن لليمنيين مثلها ؟
في هرجيسا ( شمال الصومال )
من فندق المنصور في هرجيسا أصطحبني محمد عبدى داوود – محافظ هرجيسا آنذاك 2009- ل في جولة في المدينة ، إلى أن وصل بي أمام مبنى عتيق فخم يبدو عليه الإهمال وقال : هذه هي المكتبة الثقافة الإسلامية المصرية ، أول مكتبة عامة في الصومال ، بناها ( هكذا قال ) عبد الناصر في الستينات ، و تركت أثراً عميقا جداً فى الثقافة الصومالية ، نتيجة توجهاته العروبية الوحدوية. فضلاً عن البعثات الأزهرية والمنح التى حصل عليها الشباب للدراسة فى مصر أو عدن أو حتى العدنيون الذين جاءوا إلى الصومال. كانوا كلهم تحت تأثير الفكر القومى الناصرى ، ثم قال لى أن والده كان يعيش فى البادية في منتصف الخمسينات ورغم ذلك كان يعرف جمال عبد الناصر. وأثناء حرب السويس 1956 كنا نحن الأطفال والرعاة فى البادية نغنى لمصر وجمال عبد الناصر.
جمال عبد الناصر .. ننكى لـ جهادا … أَ لَّو جَبيِىٍْ
ومعناها يا الله اهزم كل من قاتل جمال عبد الناصر.
و كان لدعمه واصراره فضلا في استقلال الصومال وبسبب هذا الإستقلال استشهد الدبلوماسي المصري محمد كمال الدين صلاح ( والد حرم السفير أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الأسبق ) ، وكان قد عين قنصلاً لمصر في مقديشيو، كان الصومال وقتها يخضع لنظام الوصاية ، وكان كمال صلاح الدين مندوباً لمصر في مجلس الوصاية الذى شكلته الأمم المتحدة و كٌلف بمراقبة عملية الانتقال من مرحلة الوصاية إلى الاستقلال. ، وقال محمد عبدى “لدينا الأمل الكبير أن تنظر مصر إلى أمة “صومالى لاند” لأنهم الأقرب إلينا، حتى من الناحية الجغرافية فإنها تطل على البحر العربى وخليج عدن وباب المندب ومصالحنا مشتركة والدم العربى هنا أكثر وجوداً ووضوحاً لابد أن يكون للأزهر دوره هنا. بإسلامه السمح المعتدل، وأنهم فى “أرض الصومال” يراهنون على الثقافة المصرية لإنقاذ شعبهم بما لديها من تراكم حضارى. “فلا تتركوننا حتى نكون ضحية مرة أخرى للإرهاب
في نواكشوط التعليم والمركز الثقافي
حي ” تفرغ زينة ” ( ومعناها تنتهي جميلة ، وهي قصيدة لأشهر شعراء موريتانيا التاريخيين سدوم ولد انجرتو ) والحي أهم أحياء نواكشوط عاصمة موريتانيا وفيه يسكن عدد كبير من الوزراء الحاليين والسابقين ، ومن السابقين الكاتب والصحفي الكبير الأشهر محمد محمود ودادي ، وفي آخر زيارة له بصحبة الدكتور الجسين ولد مدو وزير الثقافة ونقيب الصحفيين الأسبق محمد سالم ولد الداه ، توقف بنا ودادي وأمسك بيدي وأشار إلى “طقم صالون ” وقال هذا من طنطا .. فمازحته قائلا : تحب مصر كثيرا يا أستاذنا ، فقال : ولما لا وهي مصر ، وأضاف : وهي وطن الزعيم العربي الكبير جمال عبد الناصر .. سألته ( وأنا أعرف الإجابة لكنني أردت سماعها مرة أخرى ) : هل ألتقيت به ؟ قال : نعم
في أهم زيارة لوفد موريتاني إلى مصر عام 1963 ، وهي الزيارة التي أسست لعلاقات البلدين ما بعد الإستقلال (أستقلت موريتانيا عن فرنسا عام 1960 ) ، وترتب عليها إيفاد مدرسين وأطباء مصريين إلى موريتانيا، و إرسال طلبة موريتانيين إلى مصرللتعلم ، وكان لهذه الزيارة تأثير كبير علي شخصيا، لأنها أول مرة أكون ضمن وفد رسمي على هذا المستوى إلى الخارج، وأرى إنجازات مصر وأزور متاحفها وجوامعها والسد العالي وبعض مدنها الكبيرة ، الأسكندرية وبور سعيد والإسماعيلية وقد شكلت لي درسا أفادني كثيرا في حياتي المهنية ووعيي السياسي.
قال الكاتب الكبير والوزير الأسبق محمد محمود ودادي : بعد لقاء الرئيسان عبد الناصر و المختار بن داداه على هامش القمة الإفريقية في أديس أبابا ، شكل الرئيس المختار وفدا رسميا لزيارة مصر ولقاء الرئيس عبد الناصر ، كأول وفد رسمي موريتاني يزور مصر و كان يضم وزير الصحة -آنذاك – د با بكر ألفا و الحضرمي بن خطري وزير التهذيب الوطني محمد بن مولود بن داداه سفير في تونس أحمد بابا بن أحمد مسكه سفير في أبدجان عضو المكتب السياسي لحزب الشعب ، و الحاج محمود با رئيس مدارس الفلاح الأهلية ، وصلنا القاهرة في بداية شهر يوليو ، استقبلنا وزير الصحة النبوي المهندس ومعه وزير التربية وعددا من مسئولي وزارات الخارجية والصحة والتعليم و الأزهر والمجلس القومي للشباب وهيئة تعمير الصحارى ، فوجئنا بأخبار زيارتنا تتصدرعناوين الصحف المصرية الكبرى وعلى رأسها جريدة الأهرام العريقة
، و أهم أحداث الزيارة ، هولقاؤنا مع هذا الزعيم العربي الكبير عبد الناصر في منزله ، أمضينا معه ساعة ونصف، لم تبق خلالها صغيرة ولا كبيرة عن موريتانيا إلا وسأل عنها، كان متلهفا على معرفتها ومعرفة شعبها، وبعد أن قدم له د. با بوكر ألفا، عرضا وافيا عن تاريخ موريتانيا ووضعها الجغرافي وتركيبتها السكانية، قال عبد الناصر : “نحن في أشد الخجل من جهلنا بكم، رغم معرفتنا بعلماء الشناقطة، وكرر ما سمعناه في لقاءاتنا المختلفة من المسئولين المصريين عن استعداد مصر التام والكامل لوضع إمكانياتها المتاحة تحت تصرف موريتانيا، خصوصا في مجالات التعليم والصحة والزراعة. وأذكر بعد كلمة ثم سألني الرئيس عبد الناصر شخصيا : أين تعلمت العربية؟ فقلت له سيادة الرئيس تحت الشجر وفي أفضل الأحوال تحت الخيمة، مما فتح شهيته ليسأل عن نمط التعليم، فشرح له الوزير الحضرمي بن خطري عن المحضرة ( ما يشبه الكتاب في مصر ولكنها تعد جامعة صحراوية تدرس فيها كل علوم الشريعة واللغة والفقه ) ، ثم رد عليه عبد الناصر قائلا “إن البدو في العالم العربي مضرب المثل في الجهل، لشظف عيشهم وترحالهم، وأنتم ـ إذن ـ استثناء”. وسأل عبد الناصر “أيكم زار مصر من قبل”؟ فرد عليه الحاج محمود با: “أنا سيدي الرئيس، ولكن قبل الثورة ” فقال عبد الناصر “ما هو الفرق بين ما شاهدته آنذاك ومشاهداتك خلال هذه الزيارة؟” فقال الحاج محمود با “ما شاء الله، إنكم عملتم الكثير الكثير كأنما هو عمل الجنون ( يقصد الجن ) ” فقال عبد الناصر ـ ضاحكا ـ “لماذا مش عمل الملائكة يا حاج محمود ؟”. وقبل أن ننهي اللقاء أخبرنا أن مجموعة ستبقى في مصر للحصول على تعليم رسمي ، وبالفعل درس البعض الإعدادية في سنة ومثلها الثانوية ثم التحقوا بالجامعة ، وهو ما حدث أيضا مع الشاعر الكبير شغالي أحمد الذي ألقى يوما ما قصيدة عن مصر وناصر وقال فيها:
بصرت بنا عيناك من بعد ولا عجب لعمرك فالعقاب بصير.
ووصلت لعبد الناصر وقرأها فدعاه لزيارتها والتقاه ، وتعجب الزعيم جمال عبدالناصر أنشغالي أيضا لم يدرس سوى في المحضرة فاستبقاه في مصر ليجتاز ايضا مرحلتي التعليم الإعدادي والثانوي ثم يلتحق بجامعة عين شمس
حكت لي السيدة مريم داداه زوجة الرئيس المؤسس لموريتانيا المختار داداه كيف كان الرئيس المختار يتحدث عن جمال عبد الناصر
جاء وزير خارجية مالي لعبد الناصر مع الدكتور الزبير الذي اطحبه الوزير معه كمترجم من الفرنسية إلى العربية التي لا يعرفها ويجيدها الدكتور الزبير بحكم دراسته في مصر وحاملا تحيات موديبو كيتا للزعيم الافريقي الكبير وشكره على كل ما قدمته مصر لمالي ويعفيك من حرج تأجيل مشروع الفندق والطريق حتى تتعافى مصر من آثار النكسة فأخذ بيد الوزير ونظر في عينيه وقال قل لأخي وصديقي موديبو كيتا سيتم انجاز فندق مالي والطريق ولو يأكل الشعب المصري العيش الحاف وبالفعل لم انجاز الطريق والفندق وإلى اللآن لم يتم ترميم ولا تجديد الطريق رغم مضي 60 عاما تقريبا لأنه رصف على أعلى مستوى ولا يزال الفندق أعلى وأضخم مبني في باماكو من سيكاسو الى بماكو 500 كم ولا يزال افضل طريق في مالي رغم ان كل الطرق تقريبا يعاد ترميم رصفها كل عدة أعوام
كنا بعد ما عبد الناصر قالوا لنا ابوكم مات
بكيت في التنحي وكنت مع الناس في الشوارع في القاهرة ضمن الافارقة اللي كانوا موجودين في مصر و رحت تطوعت بعد 5 يونيووكان معي من غينيا والبيجر وموريتانيا اسمه الن الشيباني عشنا الايام على اعصابنا وليلة التنحي كانت اسوا ليلة ولو لم يعلن عودته عن التنحي لما انصرفنا إلى بيوتنا من الشوارع
عندما كنا ن أذكر مشادة حدثت بين مصري وأفريقي وذهبنا لقسم الشرطة فاحترمنا الضباط وأجلسونا وتركوا المصري واقفا اعرف ان هذا الطالب المسكين غير وبعد موته قال لنا ابوكم مات استدعي الشاعر الشاب الي مصر ، وعرض علیه الدراسة في مصر وبالفعل درس شغالي في مصر لمدة عامین في كلیة التربیة جامعة عین شمس.
أغلق المركز الثقافى المصرى لعدة سنوات بعد توقيع الرئيس السادات لمعاهدة السلام مع الصهاينة ثم أعيد افتتاحه فى عهد الرئيس مبارك.
ظل المركز الثقافي المصري یدرب أبناء موریتانیا في كافة المجالات ويوفر لهم بعثات تعليمية فى مصر ، حتي وصل الأمر في عقد الثمانینيات من القرن الماضى أن تم تشكيل حكومة موریتانیة كان كل وزرائها من خریجي جامعات مصر.
وكيف أستجاب عبد الناصر فورا لرسالته عام ١٩٦٣ مستنجدا به لانقاذ الهویة العربیة في موریتانیا التى تواجه خطر الضياع ، إذا لم تتحرك مصر بثقلها الثقافى والحضارى من أجل الحفاظ على عروبة موريتانيا. واستجاب الرئيس عبد الناصر ويأمر بإنشاء المركز الثقافي المصري ،وتزويده بمكتبة ضخمة ضمت ٢٠ ألف كتاب فى شتى التخصصات كانت هى أكبر مكتبة فى دولة موريتانيا، وأفتتحه المختار في فبراير١٩٦٤ ، قالت لي السيدة مريم نقلا عن الرئيس المختار ما سجله أيضا في مذكراته قائلا : ” كان عبدالناصر بالنسبة لى البطل القومى الذى يعمل ليعيد للعرب والأفارقة كرامتهم وشرفهم ، و كانت مقابلتي له وجها لوجه والحديث معه يثيران لدى مشاعر تستعصى على الوصف..
وفي ” مالي ” الطريق مازالت جيدة
يحكي لي الدكتور محمود الزبير مستشار رئيس مالي السابق ( وهو أحد علماء مالي الكبار ممن نشروا التعليم العربي في مالي وصاحب فكرة إنشاء مركز أحمد بابا التمبكتي للمخطوطات في تمبكتو ) عن ذكريات دراسته في السعيدية الثانوية ثم في جامعة القاهرة ،بناء على دعم الزعيم جمال عبد الناصر للأفارقة في مجال التعليم و كان في مصر أيام أيام النكسة عام 67 ، و وليلة التنحي كانت اسوأ ليلة في حياتي ، بكيت مثل الملايين عندما ألقى عبد الناصر خطاب التنحي ، وخرجت معهم إلى الشوارع في القاهرة ومعي كثير الافارقة ممن كانوا يدرسون معنا في مصر ، ولو لم يعلن عودته عن التنحي لما انصرفنا إلى بيوتنا من الشوارع ، عشنا الايام على اعصابنا وقتها تطوعت كجندي مع بعض زملائي الأفارقة أذكر أن أحدهم كان من غينيا و آخر من النيجر و ثالث من موريتانيا أعتقد أن أسمه اسمه ابن الشيباني .
وعندما أوفد الرئيس موديبو كيتا رئيس مالي آنذاك وزير خارجيته عثمان با لإعلان دعم مالي لمصر بعد النكسة ونصحه أن يصطحبني للقاء الرئيس ناصر كمترجم له حيث كان عثمان لا يجيد سوى الفرنسية ، وأبلغ الوزير للرئيس ناصر تحيات موديبو كيتا للزعيم الافريقي الكبير – كما قال له نصا – وشكره على كل ما قدمته مصر لمالي ، ثم قال : سيادة الرئيس ، إن رئيسنا موديبو كيتا طلب أن أبلغك أنه يعفيك من حرج تأجيل مشروع الفندق والطريق حتى تتعافى مصر من آثار النكسة فأخذ الزعيم عبد الناصر بيد الوزير ونظر في عينيه ، وقال: قل لأخي وصديقي موديبو كيتا سيتم انجاز فندق مالي والطريق ولو يأكل الشعب المصري العيش الحاف وبالفعل لم انجاز الطريق والفندق وإلى اللآن لم يتم ترميم ولا تجديد هذه الطريق (سيكاسو الى بماكو 500 كم ) رغم مضي 60 عاما تقريبا لأنها رصفت على أعلى مستوى ، ولا تزال افضل طريق في مالي رغم ان كل الطرق تقريبا يعاد ترميمها و رصفها كل عدة أعوام ، ولا يزال الفندق أعلى وأضخم مبني في باماكو ، ويسميه الناس فندق جمال عبد الناصر


