من قمم جبال لبنان الوادعة، حيث لا يزال النسيم العليل يمارس حياده الدبلوماسي بعيداً عن حرائق الشرق الأوسط، تبدو مراقبة المشهد في بغداد وأخواتها أشبه بمتابعة فيلمٍ سرياليّ عن نهاية العالم الحرارية، أو ما يمكن تسميته بالعراقي الفصيح بـ *”الطركاعة”* المناخية! هناك، في بلاد الرافدين، لا تكتفي الشمس بإضاءة النهار كما تفعل في بقية الكوكب، بل تمارس هواية سادية في *”سَمْط”* الكائنات (أي سلقها حية)، وإذابة حبال الصبر، محيلةً أهدأ النفوس وأكثرها كرماً إلى براكين موقوتة تنتظر شرارةً بحجم “كلمة” لتنفجر.
في “جمهورية العَرَق”، تقف السياسة بخطاباتها الرنانة عاجزةً أمام أعتى ديكتاتور عرفه التاريخ العراقي الحديث: “درجة الحرارة المحسوسة”. وفي بلدٍ يطفو على بحارٍ من الذهب الأسود، أصبحت الكهرباء الوطنية *”طافية”* بقوة الدستور، وتحولت إلى كائنٍ أسطوري يشبه “طائر العنقاء”؛ يُحكى عنه في الأساطير، وتُنسج حوله الروايات، لكنه لا يُرى أبداً. أما البديل المرير، فهو الاستسلام لسطوة *”أبو المولدة”؛ هذا الحاكم العرفي الذي يتحكم بالأعصاب و”الوايرات”، والذي يبتلع الأموال ليلفظ الدخان، ويمنح تياراً لا يقوى على إيقاظ مكيّف، مكتفياً بتشغيل مروحة سقفية لا تفعل شيئاً سوى توزيع *”الصَمُط”** وتقليب الهواء المطبوخ في غرفٍ أشبه بغرف الإعدام الحراري.
علمياً، ما يحدث لمزاج الشارع العراقي في شهري تموز وآب ليس انحداراً في الرقي الاجتماعي، بل هو استجابة فسيولوجية حتمية لحالة طوارئ بيولوجية. عندما تتجاوز الحرارة عتبة الخمسين درجة مئوية، يدخل الجسد البشري في حالة “نفير عام”. تحت هذا الغليان، تُعلن “القشرة الجبهية” في الدماغ (المنطقة المسؤولة عن التعقل والحكمة) إضراباً مفتوحاً، وتستلم “اللوزة الدماغية” عجلة القيادة.
النتيجة العملية لهذه الكيمياء المتمردة؟ المواطن هناك *”طكّت روحه”* (نفد صبره تماماً)، وتتعطل لغة الحوار، وتغدو كل حركةٍ في الشارع مشروع أزمة كبرى. يصبح زامور سيارة عند تقاطعٍ مزدحم بمثابة “إعلان حرب”، وتتحول مناقشة عابرة مع سائق “توك توك” حول أفضلية المرور إلى *”عركة”* ملحمية تستدعي تدخل العشائر وتُدق لها طبول الحرب.
المفارقة الساخرة والمبكية في آنٍ معاً، أن العراقيين—أهل الغيرة، وأصحاب أرقّ القلوب، وأندى الأكف، وأعظم كرمٍ عرفته العرب—يتحولون تحت مقصلة الحر إلى كائناتٍ تعيش حصرياً على “وضع الاستعداد القتالي”. العراقي الذي قد ينحر لك قطيعه ترحيباً في الشتاء، مستعدٌ أن يمسك بـ *”ياختك”* (ياقة قميصك) ويخوض ضدك حرب “داحس والغبراء” في آب، إذا ما حاولت سؤاله بابتسامة سمجة: “شلون الجو يمكم؟”.
في الصيف العراقي، تتبخر المجاملات الدبلوماسية مع أول قطرة عرق، وتغدو *”الضوجة”* (الكآبة والانزعاج القصوى) و”الخُلك الضيّق” دستوراً غير مكتوب يحكم العلاقات الإنسانية. التحية الصباحية المعتادة قد تُفهم على أنها استفزاز، والسؤال عن الحال يستوجب الرد بقصيدة هجاء بحق الحكومات المتعاقبة ووزارات الطاقة.
لقد تواطأت الجغرافيا القاسية مع الفساد السياسي المتجذر لسرقة *”واهس”* شعبٍ بنى حضارات بابل وسومر. لكن، وإلى أن ترحل شمس آب المستبدة، سيبقى العراقي يُثبت للعالم أنه الكائن الوحيد القادر على أن *”يَموع”* (يذوب) من الخارج، بينما يبقى من الداخل صُلباً وعصيّاً كمسلة حمورابي. من جبل لبنان البارد، نرفع قبعاتنا احتراماً لمن يعيشون في “التنور”.. أولئك الذين علّموا التاريخ أن الحضارات لا تُبنى في الظل، وأن من يصمد أمام صيف العراق و”طركاعاته”.. لن تخيفه أبداً كل نيران الشرق الأوسط!


