لم يكن يوجد في إسرائيل خلال الخمسينات من القرن الماضي إدراك لأهمية الطائفة الشيعية كعامل ينطوي على قوة سياسية كامنة وأهمية تنمية علاقات حسن الجوار مع الشيعة في جنوب لبنان ، ويرجع ذلك الى ثلاثة أسباب رئيسية : وضع الطائفة الشيعية في لبنان التي كانت لا تزال في حينه طائفة خاضعة ومضطهدة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، لقد كان لدى صناع القرار الكبار في اسرئيل : بن غوريون وموشيه شاريت ، تصورهم الحاكم الذي يرى الموارنة اللبنانيين حلفاء محتملين واعتبرا أن ثمة مصلحة إسرائيلية واضحة في قيام دولة ذات طابع مسيحي وتجاهل الطائفة الشيعية .
ولم يعط موشيه شاريت أهمية خاصة للشيعة في لبنان ، فيما فضلت لجنة الشؤون الشيعية في وزارة الخارجية الإسرائيلية ومسؤولو وزارة الخارجية مواصلة التركيز على العلاقات مع الشخصيات المارونية المسيحية ، وعدم إعطاء اهتمام خاص للطائفة الشيعية …. وحتى في الخمسينات تمت إثارة فكرة ضم الجنوب حتى نهر الليطاني كحدود دائمة للكيان الصهيوني ، والعمل على تغيير الطابع الديموغرافي لجنوب لبنان ، من خلال تشجيع الاستيطان الماروني فيه ، وقد أثار عزرا دانين هذه الفكرة وقال : إن جنوب لبنان يجب أن يكون مسيحياً وليس مسلماً ، وأردف قائلا : على كل من يتأسى على مياه الليطاني المهدورة في البحر عليه أن يفكر فيما ينبغي عمله والبدء بالعمل .
كان الجيش الإسرائيلي هو العنصر المهيمن والمؤثر في إدارة الحدود بين إسرائيل ولبنان وبالنسبة له كان العنصر الأمني هو الاعتبار الرئيسي والمحدِّد ، وكانت التجاوزات الحدودية للفلاحين اللبنانيين تعتبر مشكلة أمنية وليس مشكلة إنسانية أو اجتماعية ينبغي التعامل معها بوسائل أخرى ومن زاوية علاقات حسن الجوار ، وكانت الاستخبارات العسكرية هي المشرفة على العلاقات مع السكان الشيعة وزعمائها ، وكان هدفها الحصول على معلومات وليس تحقيق غايات سياسية ، وكانت العلاقة مع أحمد الأسعد مستمرة عبر القناة الدبلوماسية .
وجاء في كراس محاضرات القادة الإسرائيليين حول الشرق الأوسط الذي نشر في الخمسينات من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية في الفصل المخصص للبنان وصف الشيعة بأنهم ” مزارعون عديمو الثقافة .. فاقدون للوعي الوطني ، يساقون وراء المسلمين السنة في الحياة السياسية ” ، وعلى خلفية ذلك كانت الاتصالات التي أجراها زعماء شيعة محليون في جنوب لبنان للحصول على مساعدات واكتساب نفوذ سياسي دُرست من زاوية الفائدة الاستخبارية وأجيبت بشكل مقتصد .
لاحت الفرصة لاكتساب نفوذ سياسي في جنوب لبنان في الأشهر التي سبقت الانتخابات اللبنانية البرلمانية التي جرت في 15 نيسان 1951 وحصلت معارك انتخابية عنيفة وبرز فيها على وجه خاص التنافس بين زعامة أحمد الاسعد وعائلة عسيران الشيعية وفي 15 شباط اتصل زعيم محلي في الجنوب بضابط الارتباط من الاستخبارات العسكرية في الجليل وطلب المساعدة بالسلاح ، جمع ضابط الاستخبارات هذا الزعيم بموشيه ساسون وزيا ديبون المسؤولين في وزارة الخارجية فكانت التوصية المشتركة اعطاءه بضعة بنادق ورشاشات .
وتجدر الإشارة الى أنه في الخمسينات تم الحؤول دون زيادة حدة وخطورة عداوة الشيعة ضد إسرائيل ، لأن الجيش امتنع عن تطبيق سياسات العمليات العقابية على الجبهة اللبنانية ، بما في ذلك إخلاء قرى شيعية أو تفجير بيوت السكان ، وكان أحد المبررات البعيدة النظر التي أثارها موشيه شاريت ضد تنفيذ العمليات العقابية في لبنان كان الحاجة الى إقامة علاقات حسن جوار مع السكان الشيعة في جنوب لبنان : ” علينا أن لا نشعل ناراً من الكراهية ومشاعر الانتقام لا يعلم أحد متى تنطفئ ” .
الا أن التحولات السياسية والاجتماعية التي طرأت على الجمهور الشيعي في جنوب لبنان في أواخر الخمسينات ساهمت في تشويش علاقات حسن الجوار على امتداد الحدود الشمالية .. على الصعيد السياسي فقد تراجعت مكانة أحمد الأسعد وبقية الزعماء الشيعة الاقطاعيين لمصلحة أحزاب ذات طابع أيديولوجي مثل: ” الحزب الشيوعي ” و ” حزب البعث ” و ” الحزب القومي السوري ” و ” القوميون العرب ” فانتشرت في أوساط الجيل الشيعي الشاب بسرعة مذهلة ، وعلى المستوى الاجتماعي فإن مسارات الحداثة في لبنان بدءاً من منتصف الخمسينات أدت الى بداية تمدن تسبب بنزوح أعداد كبيرة من الشيعة في الجنوب الى بيروت وضواحيها ، حيث الدخل الفردي عام 1959 – 1960 كان أكبر بخمسة أضعاف ما كان عليه في المناطق الريفية .
وفيما كانت الزعامة الاقطاعية في الجنوب ، وخصوصاً عائلات الأسعد من الطيبة وعبد الله من الخيام ، ذات نزعة براغماتية فيما يتعلق بالعلاقات مع الجيران اليهود ، فإن الأحزاب الجديدة كانت في الأصل معادية لإسرائيل ، على أساس أن الأيديولوجيات لم يكن لها أصلاً علاقة بالطائفة الشيعية … فالنزوح الشيعي الى بيروت كانت له أيضاً انعكاسات سلبية بعيدة المدى ، ذلك أن في بيروت حيث انتقل مركز الثقل السياسي للطائفة الشيعية ، انكشف أهل الجنوب على الأجواء المتطرفة المعادية لإسرائيل وزاد لديهم الوعي باضطهاد الطائفة الشيعية وتولدت عندهم الحاجة لمساعدة جهات أجنبية ( سوريا ومصر ) في صراعها السياسي اللبناني الداخلي لتعزيز مكانتهم


