لا تبدو الانتخابات التمهيدية المقبلة في حزب «الليكود» مجرد استحقاق داخلي لاختيار مرشحي الحزب للكنيست، بل تتحول إلى اختبار سياسي حقيقي لمستقبل بنيامين نتنياهو وقدرته على إحكام قبضته على الحزب الذي يقوده منذ سنوات. وما وصفته صحيفة «معاريف» بـ«سيناريو الرعب» يعكس خشية نتنياهو من أن تنتج الانتخابات الداخلية كتلة من أعضاء الكنيست الخاسرين، القادرين على التأثير في المشهد السياسي حتى قبل الانتخابات العامة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل ازدحام قائمة «الليكود»، وتقلص المساحة المتاحة للفائزين في الانتخابات التمهيدية بسبب المقاعد المخصصة للمناطق والمقاعد التي يملك رئيس الحزب صلاحية شغلها. وقد أقر الحزب بالفعل ثمانية مقاعد محفوظة لنتنياهو في مواقع متقدمة من القائمة، الأمر الذي يقلص بصورة ملموسة حصة المرشحين الذين يتنافسون على أساس الانتخابات الداخلية.
الخطر من داخل الحزب
تكشف المحادثات الفردية التي يجريها نتنياهو مع أعضاء الكنيست الحاليين عن إدراكه أن المعركة الحقيقية قد تبدأ بعد إعلان نتائج الانتخابات التمهيدية. فالنائب الذي يفقد موقعه المضمون لا يغادر المشهد السياسي فورًا، بل يبقى عضوًا في الكنيست حتى انتهاء الولاية وإجراء الانتخابات العامة، بما يعني أنه يحتفظ بأدوات سياسية وبرلمانية يمكن أن تؤثر في استقرار الحكومة.
ومن هنا تأتي أهمية المعلومات التي تحدثت عن لقاءات «شخصية وعميقة» يعقدها نتنياهو مع أعضاء الكنيست، من دون تقديم وعود واضحة بمناصب أو تعويضات. ويبدو أن الهدف الأساسي هو احتواء حالة الإحباط المحتملة ومنع تحول الخاسرين في الانتخابات الداخلية إلى كتلة ضغط منظمة داخل الحزب أو الائتلاف.
ولا يعني ذلك أن تحركًا ضد نتنياهو بات وشيكًا؛ فلا توجد، وفق المعطيات المتاحة، مؤشرات على تشكيل جبهة منظمة لإسقاطه. لكن مجرد بروز هذا السيناريو في النقاشات الداخلية يكشف حجم الحساسية التي تحيط بالانتخابات التمهيدية.
معركة المقاعد المحجوزة
تتصل الأزمة أيضًا بمسألة المقاعد التي يستطيع نتنياهو تخصيصها لشخصيات يختارها بنفسه. فقد منحت مؤسسات «الليكود» رئيس الحزب ثمانية مواقع محجوزة في القائمة، في خطوة تعزز نفوذه في تشكيلها، لكنها في الوقت ذاته قد تثير اعتراضات من أعضاء الحزب الذين يرون أن التعيينات تقلص فرص المرشحين المنتخبين في الانتخابات التمهيدية.
وهنا تظهر المفارقة: كلما زاد نتنياهو من استخدام صلاحياته في تشكيل القائمة، ازدادت قدرته على ضمان ولاء شخصيات يختارها بنفسه، لكنه قد يواجه في المقابل مقاومة من القاعدة الحزبية ومن أعضاء المؤسسات التنظيمية، ولا سيما أولئك الذين يخشون أن تأتي التعيينات على حساب مواقعهم أو مواقع حلفائهم.
ولهذا فإن احتمال تخلي نتنياهو عن جزء من المقاعد المحجوزة، كما أشارت «معاريف»، يمكن قراءته باعتباره مناورة لامتصاص التوتر الداخلي أكثر منه تراجعًا عن نفوذه.
انتخابات الليكود.. معركة على مستقبل نتنياهو
المشهد الإسرائيلي العام يزيد من أهمية هذه المعركة. فاستطلاعات حديثة تشير إلى أن معسكر نتنياهو لا يمتلك في الوضع الراهن ضمانة واضحة للحصول على أغلبية برلمانية مستقرة، ما يجعل تماسك «الليكود» عنصرًا حاسمًا في قدرته على تشكيل الحكومة المقبلة.
ومن هنا فإن أي تصدع داخل الحزب قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود «الليكود» إلى الخريطة السياسية الإسرائيلية بأكملها. فالنائب الذي يشعر بأنه خسر موقعه بسبب ترتيبات داخلية قد يصبح أكثر استعدادًا لإعادة حساباته السياسية، خصوصًا إذا رأى أن مستقبله الانتخابي لم يعد مرتبطًا بصورة مباشرة ببقاء نتنياهو على رأس الحزب.
ولا يمكن إغفال أن الانتخابات التمهيدية تأتي في سياق أوسع من الصراع على هوية «الليكود» ومستقبله. فالسؤال لم يعد فقط: من سيحتل المراكز الأولى في القائمة؟ وإنما أيضًا: إلى أي مدى سيظل الحزب خاضعًا لهيمنة نتنياهو، وهل يستطيع رئيسه استخدام أدواته التنظيمية لصياغة قائمة انتخابية تخدم استراتيجيته السياسية، أم أن القاعدة الحزبية ستفرض توازنات جديدة؟
الاختبار الأصعب
في المحصلة، يواجه نتنياهو معركة مزدوجة: معركة الانتخابات العامة، ومعركة السيطرة على «الليكود» من الداخل. وقد تكون الثانية أكثر حساسية؛ لأن الخطر القادم من المعارضة يمكن مواجهته سياسيًا، بينما الخلاف داخل الحزب الحاكم يمكن أن يتحول إلى أزمة في بنية الائتلاف نفسه.
لذلك فإن «سيناريو الرعب» لا يعني بالضرورة سقوط نتنياهو أو انقلابًا وشيكًا عليه، وإنما يعني احتمال فقدانه جزءًا من قدرته على التحكم في أعضاء حزبه بعد الانتخابات التمهيدية. وكلما ارتفع عدد الخاسرين، وتزايدت المنافسة على المواقع، أصبحت إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات التمهيدية أكثر صعوبة.
والاختبار الحقيقي لنتنياهو سيكون في قدرته على تحويل الانتخابات التمهيدية من مصدر تهديد إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، والحفاظ على وحدة «الليكود» في مواجهة الانتخابات العامة. أما إذا تحولت المنافسة الداخلية إلى صراع مفتوح على النفوذ والمواقع، فقد يجد نتنياهو نفسه أمام خصم أخطر من المعارضة: التمرد من داخل البيت السياسي الذي بنى عليه مشروعه للبقاء في الحكم.


