تنشر الشراع هذه الفصول من كتاب وضعه الزعيم صائب سلام عن قضية امتياز الحولة ، وفيها رد على حملات الافتراء والتجني على والده سليم علي سلام ، في هذه المسألة
وقد اختارت الشراع هذا العنوان
سليم علي سلام
المفترى عليه
المقدمة
باسم الله الرحمان الرحيم *يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . صدق الله العظيم
ان من حق التاريخ على من عاش احداثه ان يدون تلك الاحداث على حقيقتها ،وكما عاشها، لان كثيرا ممن يرويها اليوم انما يكون قد اخذها عن هذا او ذاك ،فيقع في خطا عدم رواية الحقيقة المجردة.
ولأنني ممن عاشوا قصة امتياز الحولة من بدايتها عام 1914 وحتى نهايتها عام 1934 ،فمن حق التاريخ علي ان اروي كل ما عرفت عن هذه القصة، التي رافقت جميع اطوارها لا سيما وان بعض المعاصرين لتلك الحقبة من الزمن ارادوا ولغايات سياسية محضة ان يجعلوا من “امتياز الحولة” ما اسموه “قضية الحولة” .فراحوا انطلاقا من ذلك يتجنون على سليم علي سلام رئيس شركة امتياز الحولة ،ويدعون انه باع اراضي في فلسطين الى اليهود، ثم راح البعض من ورائهم ومن دون تحري الواقع، يتداولون القول بان ال سلام باعوا اراضيهم في فلسطين لليهود.
وللتاريخ اقول ان ال سلام لم يبيعوا اية ارض في فلسطين.. والسبب في ذلك بسيط جدا، وهو ان ال سلام لم يملكوا يوما ارضا في فلسطين.
واني لادرك اول ما ادرك ان تدويني لقصة امتياز الحولة، ربما يكون برأي بعض الناس مشوبا بالعامل الشخصي نظرا لشعوري وهو شعور الولد نحو ابيه ،ولما كان لي شخصيا من دور خاص يشرفني انني قمت به الى جانبه مع اشقائي ،حيث اعنّاه في ما قام به من نضال وصراع في سبيل انقاذ ذلك الامتياز، وتخليصه من براثن اليهود ومن ورائهم الانجليز.
وربما كان هذا في ظاهره مأخذا صحيحا، ولكنني في سبيل ما اعتقده واجبا علي، ولأنني اؤمن بانه من الواجب اظهار الحقيقة والواقع من دون زيف او تحريف ،فقررت ان اتخطى الاعتبارات الشخصية وادون الوقائع والاحداث كما عشتها بكل تفاصيلها من غير زيادة او نقصان.
فذكرى سليم علي سلام وصورته الوطنية المشرفة ،لا يجوز ان تبقيا في حكم التاريخ موضوع تجريح بسبب تجن سياسي عابر ،وان زال مفتعلوه كما زالت ظروفه وعفا عليه الزمن ،بعد مرور ما يربو على نصف قرن من الدهر.
وكل من عاش عصر سليم علي سلام كان يعرفه مناضلا قوميا عربيا ،لم يبخل يوماً بمال ولا بنفس في سبيل المحافظة على مبادئه، والاستمرار في نضاله القومي مهما غلا ثمن.
فهو من مؤسسي “جمعية الاصلاح” البيروتية وامينها العام وهي التي اطلقت الشعلة العربية في ارجاء العالم العربي في عام 1912 ،كما كان من مؤسسي “المؤتمر العربي الاول” في باريس عام 1913 ،وهو اول مؤتمر عربي في التاريخ الحديث.
لقد ذاق سجون الاتراك حتى اقتربت عنقه من حبل المشنقة في عهد جمال باشا السفاح، كما دخل السجن مرتين في عهد الانتداب الفرنسي ،وساروا به تشتيتا الى المنفى رافضا ابدا في كلا العهدين ان يتخلى يوما عن نضاله او ان يساير في مبادئه مهما اشتد عليه الخناق. فلم ينحرف ولم يلن ،وعاش عمره الطويل محبوبا ومؤيدا من ابناء بلده بمختلف طوائفهم وشخصيته مرموقة لها وزنها في جميع ارجاء العالم العربي.
وبعد هذا نأتي الى قصة امتياز الحولة التي امتدت على مدى سنين طويلة بما فيها من وقائع مثيرة واحداث ذات شجون ،الامر الذي يجعل منها ما يشبه الروايات الخيالية بينما وقائعها واحداثها هي حقائق مسجلة في محفوظات التاريخ ،وابطالها هم اشخاص من لحم ودم.
ومن الحق ان اعترف في البدء انني سأعتمد لتفاصيل روايتي اكثر ما اعتمد على الذاكرة فيما عشته من احداثها ووقائعها منذ بداية الرواية الى اخرها. اذ يؤسفني ان الوثائق الرسمية ليست في متناول يدي فمصادري الخاصة وهي مجموعة مستندات متعلقة بها كانت في حوزة عائلتي، وقد اتلفت جميعها بعدما اصاب الدمار مكتب الاعمال الذي كان لآل سلام في ساحة النجمة في بيروت ،وذلك اثناء الحرب القذرة التي احرقت ودمرت معظم ابنية بيروت ومكاتبها في وسط المدينة عام 1975 و 1976.
ولكنني فيما اعتمد احيانا على الذاكرة، اعاهد نفسي وكل قارئ لهذه القصة ان اكون موضوعيا الى ابعد حدود الموضوعية، والا اترك للعاطفة او للنزعة الشخصية مجالا للتأثير علي فيما ارويه ،لا سيما وان القصة قد مر عليها نصف قرن او اكثر، الامر الذي اوجب زوال الانفعالات النفسية التي رافقتها كما اوجب زوال مؤثرات السياسات العابرة التي اعانت على طمس الحقيقة، وتصوير الاحداث على غير واقعها
.
وصف منطقة الحولة
والفرق كبير بين اراضي الحولة او منطقه الحولة وبين امتياز الحولة على وجه التخصيص. فمنطقة الحولة هي منطقة واسعة في شمال فلسطين تبلغ مساحتها 237 الف دونم اي 23700 هكتار وكانت تشمل قرى عديده يتبع كلا منها ما يقع ضمن خراجها من اراض صالحة للزراعة يقوم على حراثتها وزراعتها سكان تلك القرى من الفلاحين. ومن تلك القرى في منطقة الحولة وهي خارج امتياز الحولة:
الخالصة- البويزية – الجاحوله – بيسمون – الملاحة – العلمانية – زبيد – الزوية – الناعمة – البدوية – المنصورة – ترمس – المنشية – الصالحية – بيت هلل – الزوق التحتاني – الزوق الفوقاني – المفخرة – فيطله – الحمراء – العريفية – الدوارة – خيام وليد – السنديان – العباسية – المداحلة – السنبرية – الخصاص – اللذاذة – العبسية – اللدان – خان الداية – بيدفون – الدرباشية.
اما امتياز الحولة فكان عقدا لست سنوات بين الدولة العثمانية وبعض الشخصيات. وقد اقتصرت حدوده على مستنقعات تغمرها المياه الآسنة ويغطيها قصب البابير ونبات الحلفا مع بحيرة من المياه جنوبها، وهي جميعا من الاراضي الموات التي لا مالك لها ولا تصلح للحراثة والزراعة. وهذه المستنقعات مع البحيرة كانت تقع في منطقة الحولة وتبلغ مساحة المستنقعات 42 الف دونم اي 4200 هكتارات ومساحة البحيرة 14,000 دونم اي 1400 هكتار وبالتالي فإن مساحة الامتياز كانت تشكل 29% من مجموع اراضي الحولة.
وهنا بيت القصيد فامتياز الحولة اذن هو موضوع هذه القصة وهو ما اطلق عليه قضية الحولة.
واذا جرت تسمية قضية امتياز الحولة بقضية الحولة فمن الحق ان نروي قصة الامتياز من الفها الى يائها، مرورا بما رافقها من احداث وملابسات عبر عشرات السنين، فنصف بدايتها وتطوراتها لنصل الى نهايتها.
وامتياز الحولة هو في الاصل عقد اتفاق بين الدولة العثمانية وكل من السيدين محمد عمر بيهم وميشال ابراهيم سرسق من اهالي بيروت ،وقد اعطاهما هذا الاتفاق حق القيام بتجفيف مستنقعات وبحيرة الحولة ومن ثم حق تملك الاراضي المجففة لقاء دفع ليرتين عثمانيتين للدولة العثمانية ثمن كل دونم يقومان بتجفيفه.
وقد جرى منح امتياز الحولة المذكور من قبل الدولة العثمانية في اسطنبول (الاستانة) في اوائل عام 1914 اي قبيل نشوب الحرب العالمية الاولى 1914 – 1918 بأشهر قليله.
وكان من شروط ذلك الامتياز ان يقوم السيدان بيهم وسرسق بتأليف شركة مساهمة تقوم بتنفيذ بنوده.
ويبدو ان الملابسات قد لازمت امتياز الحولة منذ البداية ،فلم يكد السيدان بيهم وسرسق يباشران في تنفيذ شروط الامتياز، وذلك في تأليف شركة مساهمة تتولى القيام بالعمل تقيدا بشروط الامتياز ..حتى قامت ضجة في بيروت حول ذلك وقسمت الناس الى فريقين. فكان مع الفريق الاول صاحب الامتياز احمد مختار بيهم وعائلات نصولي وحبال وغيرهم وكان مع الفريق الثاني المطالب بالمشاركة رضا الصلح ومحمد الفاخوري وسليم الطيارة وحسن الاسير وغيرهم.. ممن يبغون المساهمة بشركة الامتياز.
وبعد مفاوضات وقيل وقال اتفق الفريقان على ان يدخل مساهمين في الشركة بنسبة 80% للفريق صاحب الامتياز و 20% لفريق الصلح – الفاخوري وان يجتمعا حول سليم علي سلام. وعندئذ تألفت الشركة المساهمة حسب شروط الامتياز وتحت اسم “الشركة الزراعية السورية العثمانية المحدودة” وانتخب الجميع سليم علي سلام رئيسا لها ،يتحمل اوزارها منذ ان اصبح مساهما وحتى نهاية المطاف كما سياتي شرحه.
الصراع المرير
كانت لندن في ذلك الزمن لا تزال جزيرة نائية عن العالم العربي ،لا يصل اليها من ابناء العرب الا النزر القليل. فكان عليه ان يتحمل بالإضافة الى نضاله في سبيل تثبيت امتياز الحولة والقيام بموجباته وطأة العيش في البلد الاجنبي مع الفوارق الشاسعة بين ما اعتاد عليه من مناخ او طعام او معاشرة.. وبين ما وجد نفسه عليه طيلة تلك المدة. وهو الرجل المسلم الذي كان يحافظ على صلواته الخمس وشعائره الدينية بدقة بما فيها صيام رمضان الذي تناوب عليه خمس مرات ،خلال السنوات الخمس التي قضاها في لندن. وهو مع محافظته على صلواته الخمس تخلى مرغما عن القيام بفريضة الصيام طيلة تلك السنوات لتعذر ذلك. ولكنه اوفى ما ترتب عليه من دين ،فأدى فريضة الصوم عن الخمسة اشهر يوما بيوم بعد ان عاد الى بلده على الرغم ،من ما كان فيه آنذاك من ضيق وضائقة على كل صعيد.
والصراع بينه وبين وزارة المستعمرات والصهيونيين في لندن كان شديدا ومريرا، وكان يقف الى جانبه فيه ابنه محمد الى ان انضممت انا اليهما في عام 1925 حين استدعاني والدي لدخول الجامعة في انجلترا، وهنا اذكر مأساة اضطراري لترك الجامعة قهرا اذ كان ذهابي مبدئيا لدخول جامعة اوكسفورد بعد ان انهيت صف “الصوفومور “في الجامعة الأمريكية في بيروت. ولكن ضيق ذات اليد ،وما كنا فيه من عسر مالي حالا دون ذلك ،فالتحقت بصورة جزئية بجامعة لندن مما اتاح لي فرصة الاشتراك في ذلك الصراع في اطواره المختلفة حتى عام 1927.
ففي الطور الاول اخذ هذا الصراع شكل النقاش مع محامي وكلاء التاج الذين اوكلت اليهم وزارة المستعمرات البريطانية امر التفاوض مع شركة امتياز الحولة، لوضع امتياز جديد يكون مقام الامتياز التركي بسبب اللغة وتبدل الظروف حسب زعمهم.
وقد اصر محامي وكلاء التاج عند وضع صيغة جديدة باللغة الإنجليزية، تقوم مقام الامتياز العثماني الاصلي المحرر بالتركية، على ان تتنازل شركة امتياز الحولة عن هذا الامتياز الاخير.
لكن سليم علي سلام مدعوما بمحاميه من مؤسسة”انفر اند انفر “رفض التنازل على الرغم من التهديد المتواصل ،بان وزارة المستعمرات ستعمد الى الغاء الامتياز التركي من طرف واحد.
هذا التهديد لازم القضية من اولها الى اخرها، وسآتي على ذكر اشتداد وطأته في المراحل الأخيرة من الصراع مع السلطة البريطانية في فلسطين بعد استلام منطقه الامتياز عام 1929 ،وقيام الشركة ببعض عمليات التجفيف.
ففي كل مرة كان يخرج فيها سليم علي سلام مع محاميه من اجتماع مع وكلاء التاج ،ظانا انه وصل معهم الى اتفاق اذ به يفاجأ في اليوم الثاني، بكتاب منهم يقترح تعديلات جديدة او الغاء الامتياز.
وبعد التداول الطويل والمضني، توصل الى الاتفاق معهم على صيغة انجليزية لمشروع جديد لامتياز الحولة،من دون ان يتنازل عن الامتياز التركي.
وانتقل سليم علي سلام الى الطور الثاني من صراعه مع الصهيونيين في وزارة المستعمرات.
فقد فرضت عليه نصوص مشروع الامتياز الجديد فيما فرضت من شروط ان يؤلف شركة برأسمال مقداره 250 الف جنيه انجليزي وهو مبلغ ضخم جدا في تلك الايام من اجل القيام بعمليات التجفيف ومن ثم دفع ثمن الاراضي المجففة.
وهنا اخذت مساعيه وجهوده تتجه نحو تأليف شركة جديدة حسب ما فرض مشروع الامتياز الجديد وايجاد التمويل المطلوب. والواضح ان هذا كان مشروع امتياز وليس امتيازا لان سليم علي سلام رفض التنازل عن الامتياز الاصلي قبل ان ينجح في تنفيذ شروط المشروع الجديد. فحاول اول ما حاول ايجاد تمويل عربي او حتى ايجاد نواة تمويل عربية من اجل استجلاب تمويل كامل من الاسواق المالية العالمية، لذلك المبلغ الضخم الذي فرضه مشروع وكلاء التاج.
وكان طلعت باشا حرب يحمل آنذاك لواء النهضة المالية والاقتصادية في العالم العربي، وكان صديقا لسليم علي سلام، ولكنه لم يتمكن من تلبية ما هو مطلوب لان مبادرته الاقتصادية كانت لا تزال في مهدها.
واستعان بكل من اغا خان وعباس حلمي، خديوي مصر السابق ومحمد علي العابد رئيس جمهورية سورية سابقا ،ونجيب الاصفر واحمد عبود باشا ونجيب شكور باشا وسليمان باشا ناصيف ،صاحب مشروع “الحمة “في فلسطين وكانوا كلهم من اصدقائه وجميعهم من كبار اصحاب الاموال والاعمال في العالم العربي آنذاك، وعلى صلات طيبة مع الانجليز وكثير من متموليهم في “السيتي اوف لندن” فكان يجد عند كل منهم الرغبة الشديدة والاندفاع في اول الطريق، ثم يتنصلون فيما بعد تحت وطأة الضغط على مؤسسات التموين الإنجليزية من قبل اليهود ووزارة المستعمرات، ذلك الضغط الذي استمروا في ممارسته على كل متمول انجليزي كان يوافق مبدئيا وبرغبة قوية على الاشتراك بالمشروع، لينسحب من بعدها معتذرا. ومنهم من كان يصارحنا بعدم امكانه القيام بالمشروع ضد رغبة الوزارة من جهة ،والوقوف ضد التيار اليهودي (الصهيوني )في اسواق المال من جهة اخرى. واذكر ان احد الانجليز قال لنا بعد ان انسحب من الموضوع : يجب ان تعرفوا ان كل جنيه في “السيتي اوف لندن” وهي مركز التمويل العالمي في ذلك الزمن فيه على الاقل شلن لليهود.
مع الحاج امين الحسيني
واجرى سليم علي سلام اتصالات متواصلة مع صديقه الاخر مفتي فلسطين الحاج امين الحسيني ،الذي بذل مساعي حثيثة مع اصحاب الاموال العرب والمسلمين ومع زعيمي الهند المسلمين محمد علي وشوكت علي اللذين كانا من ابرز زعماء الاسلام اهتماما بقضية فلسطين.
ولما كان صديقه الملك فيصل الاول ملك العراق قد ساعده مع وزارة المستعمرات خلال زياراته المتكررة الى لندن ،اثناء المفاوضات على انجاز وضع مشروع الامتياز الجديد، فقد حاول مرة اخرى ان يمد يد المساعدة في قضية التمويل ولكن ذلك لم يعط اية ثمرة ايضا.
وممن لجأ اليهم سليم علي سلام عصبة النساء الوطنية وهي هيئة بريطانية اخذت على نفسها نصرة العرب خصوصا في قضية فلسطين، وكان على راسها سيدتان من انشط السيدات في الحقل السياسي واكثرهن نفوذا وحماسا للقضايا العربية وهما :”مس بردهرست ومس فاركهورسون”
وقد تمكنت “مس بردهرست “بما لها من نفوذ كبير عند العديد من النواب الانجليز ،ومن صلات وثيقة مع بعض كبار المتمولين، وعلى ثلاث مراحل من ايجاد فرقاء من المتمولين البريطانيين الذين درسوا معنا المشروع هندسيا وماليا ،ووافقوا على تقديم الرأسمال المطلوب، والقيام بالعمل على اساس مشروع الامتياز الجديد. واستعانت على ذلك مرة بأحد كبار النواب النافذين “السير ورد لومان” وهو مرشح للوزارة ومرة اخرى بنائب اخر ذي نفوذ هو “المستر اندرسون”، ولكنهم جميعا كانوا قبيل التوقيع وعند مراجعة وزارة المستعمرات يعودون عن قرارهم ويتنكرون له ..فتأكد لنا عند اذن بوضوح ان رجال المال والاعمال في بريطانيا لا يقومون بعمل خارج بلادهم الا بعد مراجعة حكومتهم ،واخذ موافقتها، وهي في هذا الموضوع على ما هي عليه من خضوع للضغط اليهودي الصهيوني.
وقد تأكدنا من سبب تنكر الفريق الاخر عن المضي في الاتفاق عندما جاء “السر ورد لومل “واوضح الى “المس برود هيرست” ان المسؤولين في وزارة المستعمرات قد افهموه صراحة ،بانه لا يمكنهم ان يؤيدوا القيام باي عمل في فلسطين يتضارب مع مصالح اليهود الصهيونيين.
ولا غرابة في ذلك، اذ ان الذين تناوبوا على الوزارة اثناء علاقتنا بها كان في طليعتهم “ونستن تشرشل” الذي يقول في احد كتبه :انا صهيوني. ومن ثم وزير المستعمرات “المستر ادمري” اليهودي الصهيوني الذي كانت وزارته مرجع امور فلسطين، ومن بعدهما وكيل الوزارة “الماجور اورمبسي غور” اليهودي وعضو الجمعية الصهيونية في لندن.
واخيرا في عام 1927، وفي نهاية هذا الصراع المضني الذي استمر خمس سنوات في لندن، استنفذ فيها سليم علي سلام كل ما لديه من جهد وكل ما كان لديه او استدانه من اموال ،وبعد ان فقد كل امل في انقاذ امتياز الحولة من براثن الانجليز واليهود، عاد الى وطنه من هذا الاغتراب الطويل مقهورا مدحورا.
مفاجأة ساره
مضى على سليم علي سلام ما ينوف على السنه ،وهو على تلك الحال المضنية نفسيا ومعيشيا، يذوق مرارة الحرمان وذل الدين وملاحقة اصحابه له حتى جاء حدث غير منتظر في مطلع عام 1929 فتفتحت امامه الآمال مرة اخرى، وشحذت همته لتجديد متابعة النضال من اجل احياء امتياز الحولة وتثبيته في صيغته التركية الأصلية والعمل على تنفيذه ضمن تلك الصيغة ،التي كان يرفضها الحاكم البريطاني الى ذلك التاريخ.
فقد سبق وذكرت ان امتياز الحولة تخلت عنه شركة الحولة الى سليم علي سلام في اول الطريق، ثم اضطر سليم علي سلام نفسه لإهماله مرغما بعد فشله في صراعه المرير الذي عاناه في لندن مع وزارة المستعمرات البريطانية ومن ورائها الوكالة الصهيونية.
والذي حدث في اواسط عام 1929 هو ان السلطة البريطانية في فلسطين وبتحريك من الوكالة الصهيونية ارادت حسب تصورها ان تسجل رسميا تخلي سليم علي سلام عن الامتياز، بعدما اعتقدت ان اصحاب الامتياز لا قبل لهم بالقيام بموجباته، وانهم قد تخلوا عنه واقعيا وذلك بإهمال ملاحقته، فبعث لنا المندوب السامي البريطاني في فلسطين بصورة مفاجئة انذارا في كتاب مضمون ارسل الى بيروت ،يخطر فيه سليم علي سلام بوصفه ممثلا لشركة امتياز الحولة ان المادة السادسة من الامتياز التركي تفرض المباشرة بتنفيذ احكامه ضمن مدة ستة اشهر وانه في حال التخلف عن القيام بذلك فان الامتياز التركي يعتبر لاغيا نهائيا وبصورة قانونية.
ويبدو ان الانجليز ومن ورائهم اليهود اعتقدوا ان سليم علي سلام بوضعه المادي والمعنوي اصبح عاجزا عن اي تحرك ،وانه سيستسلم لإنذارهم فيعمدون عندها الى الغاء الامتياز ،من دون اي مقابل، ولكنهم أخطأوا في تقدير صلابة وجرأة هذا الرجل وإقدامه.
فعلى الرغم مما اصبح فيه سليم علي سلام من معنويات محطمة وضيق في ذات اليد، فقد وجد في هذا الواقع الجديد مستندا قانونيا وفرصة تمكنه من ان يعاود المساعي على اساس ان من حقه ان يتمسك بتنفيذ الامتياز التركي بجميع بنوده، طالما ان السلطة البريطانية جاءت تطالب بتطبيق احد تلك البنود. وهذا يعني اقرارا بشرعية ذلك الامتياز وقانونيته ،وبالتالي اعترافا بحق اصحاب الامتياز في المطالبة اذن باستلام منطقة الامتياز حسب النص الوارد فيه من اجل القيام بموجبات الامتياز كما تنص بنوده، وكما جاء في انذار المندوب السامي.
وهنا ابتدأ صراع قاس جديد امتد على مرحلتين، كانت الاولى منهما قانونية مع السلطة في القدس وكان وكيلها في ذلك اليهودي الصهيوني المشهور” بنتويش” رئيس الدائرة القضائية في حكومة الانتداب، او بعبارة اخرى وزير العدلية حسب تنظيم الانتداب الاداري وصاحب النفوذ الاول في الحكومة الفلسطينية آنذاك. وكنت معاونا لوالدي ورفيقا له طيلة اشهر نلاحق القضية في القدس ،وكان وكيلنا كبير محامي العرب آنذاك نسيب ابكاريوس ومعه المحامي عوني عبد الهادي عضو اللجنة العربية العليا.
وكان من نتائج ملاحقتنا على الصعيد القانوني والسياسي وما فيه من جهد واعباء مالية وبمساعدة الحاج امين الحسيني، ان خضعت السلطة لمنطق القانون واقرت حق سليم علي سلام رئيس شركة امتياز الحولة اي الشركة الزراعية السورية العثمانية، استلام منطقة الامتياز من مستنقعات وبحيرة على ان يقوم بتنفيذ الامتياز التركي بجميع بنوده والعمل على تجفيف تلك المنطقة في الآجال المحددة.
وقد وافقت على ذلك ليقينها التام بان الفشل سيكون من دون شك نصيبه. وليس ادل على ذلك ما قاله لي شخصيا بنتويش المذكور وبحضور المحامي ابكاريوس عند تسليمنا الاقرار الرسمي باستلام المنطقة يومذاك: ليذهب والدك ويبذل كل ما في وسعه فهو سيفشل حتما وسنعمل في النهاية الى الغاء الامتياز ولو تأخر ذلك ردحا من الزمن.
اما المرحلة الثانية من هذا الصراع الجديد، الذي امتد على مدى خمس سنوات اخرى من عام 1929 الى عام 1934 فكانت عندما استلم سليم علي سلام، وبجرأة لم يكن يتوقعها احد، منطقه الامتياز ودفع بستة من ابنائه الشباب الى تحمل اعباء تلك المستنقعات ومشاكلها يعاركون الحياة في غور الحولة المعروف بانه بؤرة عالمية للملاريا الخبيثة، ويجابهون دسائس اليهود والسلطة البريطانية واحابيلها التي لم تترك وسيلة من وسائل المعاكسة الا واستعملتها مباشرة او بشكل غير مباشر


