تخوض المنطقة اليوم فصلاً جديداً من الجنون السياسي والعسكري، عنوانه: الحرب المتصاعدة بين إسرائيل وإيران. مواجهة مفتوحة لا رابح فيها، ولا نهاية قريبة تلوح في الأفق. وبين غارات معلنة وأخرى مجهولة المصدر، واغتيالات متبادلة ورسائل نارية تُطلق عبر الحدود، يبدو أن الجميع بانتظار شيء ما… بانتظار غودو الذي لا يأتي، أو ربما بانتظار الرعب الذي يتسلل بصمت إلى كل زاوية من حياتنا.
هذه الحرب، بخلاف ما قد يظن البعض، لن تعزز نفوذ أي من الطرفين. بل قد تجرّ خلفها انهياراً تدريجياً لكلا المشروعين: المشروع الإسرائيلي القائم على تفوق القوة والردع، والمشروع الإيراني الذي يستمد مشروعيته من خطاب دعم حركات المقاومة في المنطقة. فكلا المشروعين يتحرك على أرض هشّة، والتصعيد الحالي يضعهما في لحظة اختبار… وربما لحظة انفجار.
لكن الخسائر الأكبر ستقع على الشعوب. شعوبٌ تترنّح أصلاً تحت أعباء اقتصادية وسياسية خانقة، وتنتظر كل صباح خبراً يطمئنها أنها ما زالت خارج خط النار. وإذا ما انفجرت إيران من الداخل، فالعواقب لن تقتصر على طهران أو مشهد أو الأهواز، بل ستصل أصداؤها إلى كل منطقة يتقاطع فيها النفوذ الإيراني: العراق، سورية ، لبنان، اليمن، والخليج.
إيران دولة متعدّدة القوميات والطوائف والطبقات. يتحدث البعض عن الكثير من المقموعين والمهمّشين ينتظرون لحظة الانهيار، ليطالبوا بما حُرموا منه طويلاً. وهذا ما يجعل أي شرارة داخلية قادرة على إشعال فوضى إقليمية، ربما أكثر تعقيداً مما يمكن التنبؤ به. والأنظمة، كما الشعوب، تبدو غير مهيّأة لتلقف هذا الزلزال الآتي.
وفي لبنان، حيث تعيش الأغلبية على هامش الحدث وتحت ثقله في آن، تتكرر الأسئلة: هل سنُسحب إلى المعركة على الرغم عنّا؟ هل نتحوّل، كما في كل مرة، إلى ساحة لتصفية الحسابات؟
في المقاهي، على شرفات البيوت، وفي رسائل الواتساب التي تسبق النوم، يسأل الناس بعضهم البعض: “شو بيصير إذا إيران ردّت؟ وإذا إسرائيل ردّت أكتر؟ وإذا صار شي نووي؟”.
الرعب الحقيقي لا يكمن فقط في احتمالية الحرب، بل في غياب أي عقلٍ يُمكن أن يوقفها. الجميع يتصرف وكأنهم يملكون مفاتيح النجاة، بينما القطار يسير نحو الهاوية.
والأخطر؟ أن يكون الرعب قد بدأ فعلاً، وأننا لم نعد في طور الانتظار، بل في خضمّ بداية الزلزال… من دون أن ندرك.
ربما لا ننتظر غودو هذه المرّة، بل ننتظر من يملك الجرأة ليصرخ: “كفى”.
لكن حتى تلك الصرخة، لا تزال مفقودة في ضجيج الجنون.


