دعني أحكي لك حكاية مهمة، حكاية لا تخص أرقام وإحصائيات، بل تخص صحة الناس ومستقبل قارتنا الجميلة
كلنا نرى الإعلانات الصحية حولنا، على التلفاز، في الشوارع، وحتى على هواتفنا
ولكن هل تساءلت يومًا، هل هذه الرسائل تحدث فرقًا حقيقيًا؟ هل تصل إلى القلوب والعقول لتغير السلوكيات فعلاً؟ هذه هي بداية قصتنا قصة البحث عن تأثير حقيقي ومساءلة حقيقية في عالم الإعلام الصحي
“القياس” هل رسائلنا تصل؟
تخيل معي أننا ننفق الكثير من الجهد والمال على حملة توعية ضخمة عن مرض السكري مثلاً
الرسائل تنتشر في كل مكان، ولكن السؤال الأهم هو هل ازداد وعي الناس فعلاً بأعراض السكري؟ هل بدأوا يفهمون
أهمية الفحص المبكر؟ إذا لم نعرف الإجابة، فكأننا نسير في الظلام
هنا يأتي دور “المساءلة” إنها ليست مجرد كلمة أكاديمية، بل هي الضوء الذي ينير طريقنا تعني أن نُسأل أنفسنا
هل استثماراتنا في الإعلام الصحي تُحدث فرقاً ملموساً في حياة الناس؟
هل تغير وعي الناس؟ هل زادت معرفتهم بالمرض؟ هل تبدل فهمهم لمفاهيم صحية معقدة مثل “لماذا يجب غسل اليدين
هل تبدلت مواقفهم؟ هل تراجعت النظرة السلبية تجاه شخص يعاني من مرض نفسي؟ هل ازدادت ثقتهم باللقاحات التي تنقذ الأرواح
هل غيروا سلوكياتهم
وعلى المدى الطويل، هل نرى نتائج صحية ملموسة
ولكيلا تكون هذه المؤشرات مجرد أرقام على الورق، نحتاج لـ “قصة عمل” متواصلة
يجب أن نصمم دراسات حقيقية، قبل وبعد الحملة، ونستعين بالخبراء ليساعدونا في جمع البيانات وتحليلها بعناية إنها صدقنا هنا، تمكننا من تتبع التفاعل الرقمي وفهم كيف يتجاوب الناس والأهم من كل هذا هو الشفافية سواء كانت النتائج مبهرة أو تحتاج لتحسين، يجب أن ننشرها ونتعلم منها لأن التقييم ليس حدثًا لمرة واحدة، بل هو “نفس” تنفسه حملاتنا لتنمو وتزدهر
دعنا نتحدث عن جانب آخر من الحكاية عندما يتحدث القلب للقلب
و هي قوة و اثر نجوم المجتمع
جانب يلامس القلوب ويصنع فرقاً هائلا هو توظيف نجوم المجتمع في زمن كثرت فيه المعلومات وتناقصت الثقة بالمصادر التقليدية، من الذي يستمع إليه الناس حقًا؟ إنهم أولئك الذين يحبونهم ويحترمونهم، الذين يشعرون أنهم جزء منهم
هؤلاء “النجوم” ليسوا فقط فناني السينما أو لاعبي كرة القدم قد يكونون المؤثرين الرقميين الذين يبنون علاقات شخصية مع متابعيهم، أو أكاديميين مرموقين، أو حتى قادة مجتمعيين يحظون باحترام كبير في قراهم هؤلاء يمتلكون “جسر ثقة” فريدًا يمكنهم من خلاله توصيل رسائل الصحة بفاعلية لا تصدق
ولكن، هل تستغل أفريقيا هذه القوة الكامنة؟
للأسف، لا
تخيل لو أن هؤلاء النجوم، بشعبيتهم الجارفة، تحدثوا عن أهمية التطعيم، أو مكافحة سوء التغذية، أو الوقاية من الأمراض المزمنة. الأثر سيكون هائلا دعنا نأخذ “حكاية أسود الأطلس” في مونديال قطر ٢٠٢٢كمثال لم يكن مجرد فوز رياضي، بل كان انتصاراً للروح الجماعية. لقد ألهموا أمة بأكملها، وأظهروا قيم التلاحم والفخر تخيل لو استطعنا ربط هذه الطاقة برسائل صحية أهمية اللياقة البدنية، التحدث عن الصحة النفسية تحت الضغط، أو التغذية السليمة إنها “قوة ناعمة” تنتظر من يستغلها بحكمة
لذا، توصيتنا واضحة يجب على القادة في أفريقيا أن يبنوا استراتيجيات وطنية لتوظيف هؤلاء النجوم كـ “سفراء للصحة“، لا مجرد وجوه إعلانية يجب أن نقدم لهم حوافز معنوية، ونُدمج الرسائل الصحية في الأحداث الكبرى بشكل طبيعي، ونُظهر لهم الأثر الحقيقي لجهودهم فالنجوم هم الجسر الذي يعبر به الوعي الصحي إلى قلوب الملايين
ثم بعدها ننتقل إلى أصدق وأقوى القصص على الإطلاق قصص المرضى أنفسهم لا يمكن لأي عدد من الإحصائيات أو الشروحات العلمية أن يُنافس قوة حكاية شخص عاش المرض، أو تعافى منه، أو يتعايش معه
في أفريقيا، حيث قد تكون الثقة في المستشفيات صعبة أحيانًا، وحيث تنتشر الوصمة حول أمراض كثيرة مثل الأمراض النفسية أو فيروس نقص المناعة البشرية، يصبح صوت المريض الذي يقول “لقد مررت بهذا، وها أنا ذا أتعافى“، هو “جسر الثقة” الحقيقي
إن تأثيرهم لا يُقدر بثمن إنهم يبنون الثقة، يُزيلون الوصمة، يُقدمون معلومات واقعية، ويُحفزون الناس على اتخاذ خطوات صحية عندما يرى الناس شخصًا يشبههم قد تغلب على تحدٍ صحي، يشتعل الأمل في قلوبهم وتزداد رغبتهم في التغيير
ولكي نختم هذا المقال معاً اريد ان اخبركم عن كيف لي ان اكتب هذا
الهامي من المغرب
الدكتور خالد فتحي نموذجا مشرفا يجب ان نقتدي به
وفي خضم هذه الرحلة، دعنا نتوقف عند قصة حقيقية من المغرب، قصة الدكتور خالد فتحي، أستاذ أمراض النساء. الدكتور فتحي لم يكن مجرد طبيب، بل كان رائدًا إعلاميًا، بدأ مسيرته منذ أكثر من ثلاثين عامًا في جريدة العلم، وصولاً إلى برامج تلفزيونية ومقالات لا تُحصى
ما الذي جعل مسيرة الدكتور فتحي ملهمة؟
الريادة والاستمرارية لقد بدأ في زمن لم يكن فيه الإعلام الصحي شائعًا، واستمر لعقود، ليصبح صوتًا ثابتًا وموثوقًا
شارك على جميع المنصات لم يقتصر على الصحافة المكتوبة، بل وصل إلى التلفزيون ليخاطب جمهورًا أوسع بكثير، ويتجاوز حتى حواجز الأمية
عمل على تبسيط المعلومة لديه قدرة فذة على تبسيط المعلومات الطبية المعقدة بأسلوب سلس ومفهوم، مع الحفاظ على الدقة العلمية، وهذا هو مفتاح بناء الثقة مع الجمهور
ايضاً معالجة القضايا الحساسة بصفته متخصصًا في صحة المرأة، تحدث عن قضايا غالبًا ما تكون محاطة بالوصمة، مثل صحة الأم وسرطان الثدي، مساهمًا في كسر هذه الحواجز
بناء الثقة ظهوره المنتظم كمصدر موثوق وغير منحاز بنى ثقة هائلة لدى الجمهور
تجربة الدكتور فتحي تعلمنا أن الأصالة والخبرة والصبر والتنوع في قنوات التواصل، بالإضافة إلى الجرأة في تناول القضايا الحساسة، هي أساس أي إعلام صحي ناجح
في الختام، يا صديقي
إن ثورة الإعلام الصحي في أفريقيا ليست حلماً بعيد المنال إنها تنتظرنا لنصنعها معًا بقوة الأرقام التي تقيم الأثر، وبقوة نجوم المجتمع الذين يبنون الجسور، وبقوة قصص المرضى التي تلمس القلوب، يمكننا أن نجعل الإعلام الصحي أداة حقيقية للتغيير، وأن نشعل شرارة الأمل والصحة في كل بيت عبر قارتنا الحبيبة


