الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إستبدال توم بارّاك بـ مورغان أورتاغوس

انقلابٌ هادئٌ في الدّبلوماسية الأميركية تجاه لبنان…
بينما كانت بيروت تُراهن على تهدئةٍ أميركيةٍ موضعية، أتى قرار واشنطن باستبدال مبعوثها الخاصّ توم بارّاك ليُفاجئ الجميع. ليس في التّوقيت فقط، بل في هويةٍ من ستتولّى الملفّ اللّبناني…
آموس أورتيغا دبلوماسيةٌ أميركيةٌ من الطّراز الأمنيّ الاستراتيجي، صاحبة خلفيةٍ ثقيلةٍ في دوائر القرار، تتميّز بحسمها، لا بمرونتها.
فما الّذي يعنيه هذا التّبديل؟
وهل نحن أمام مجرّد تغيير أسماء، أم أمام نقلةٍ في سياسة الضّغط الأميركيّ تجاه لبنان؟
توم بارّاك لم يكن دبلوماسيًا عاديًا، بل شخصية ذات طابعٍ توافقيٍّ، عُرف بإدارته الحوارية الهادئة، وبمحاولته فتح قنواتٍ خلفيةٍ بين الفرقاء اللّبنانيين. لكنّه سرعان ما اصطدم بما يلي :
١-عدم استقرار الدّاخل اللّبناني، حيث يصعب على أيّ طرفٍ خارجيٍّ فهم أو توجيه اللّعبة السّياسيّة المعقّدة.
٢-صمود حزب الله وتمسك إيران بمواقفها في الملفّات الإقليميّة، ما أفقده النّفوذ.
٣-فشل في تحريك أيّ ملفٍّ حسّاسٍ (كالتّرسيم، السّلاح، الإصلاحات)، ما دفع واشنطن إلى استنتاجٍ واضحٍ “نحتاج إلى شخصيةٍ أكثر حزماً، وأقل دبلوماسيةٍ كلاسيكية.”
تمّ تعيين مورغان أورتاغوس مجدّداً ،فلماذا اختيرت في هذا الوقت؟
آموس أورتيغا ليست وجهًا جديدًا في ملفّات الشّرق الأوسط، تُعرف داخل الدّوائر الأميركيّة بأنّها ذات طابعٍ تنفيذيٍّ حازم، تتقن قراءة الخارطة السّياسية بعيونٍ أمنية.
أبرز ما يُميّز أورتيغا، انها لا تؤمن كثيرًا بالحلول النّاعمة. تفضّل المقاربات الصّارمة، حتى في العلاقات الثّنائية.
تميل إلى خطاب “النّتائج لا النّوايا”، وهو ما يعني تقليص النّقاشات الطّويلة وفرض جدولٍ زمنيٍّ للقرارات، وهي قريبة من المواقف الإسرائيلية الأمنيّة، وتعتبر أنّ “لبنان غير مستقرٍّ لأنّه لم يُحسم أمر سلاح حزب الله بعد”، وهي منفتحةٌ على التّنسيق مع الأوروبيّين، لكنّها ترى أنّ أيّ حلٍّ في لبنان يجب أن يُصنع في واشنطن وتل أبيب لا في باريس أو روما.
أورتيغا ليست دبلوماسيةً صديقةً للوسط اللّبناني كما كان بارّاك، بل تنتمي إلى مدرسة “المحاسبة قبل المكافأة”،ستعتمد لهجةً واضحةً، ولن تتسامح مع المراوغة الّتي اشتهر بها كثيرٌ من السّياسيّين اللّبنانيّين، ستُعامل السّياسيّين اللّبنانيّين كـ”أطرافٍ معطّلة”، لا كشركاء.
أورتاغوس لن تُهادن ستفرض قواعد جديدة “ساعدونا على إنقاذ لبنان، أو تحمّلوا فوضاه”.
ستكون هناك مهلٌ زمنيةٌ غير معلنةٍ لتطبيق بعض الشّروط… ومن لا يتجاوب، سيكون خارج اللّعبة السّياسيّة المستقبلية.
ألتّبدّل في أجندة العمل الأميركية سيُعاد فتح الملفّات بعناوينٍ أكثر حسماً، مثل، تسليح الجيش مقابل تقليص نفوذ حزب الله، وحتماً مساعدات مشروطة بتغييرٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ وترسيمٍ جديدٍ لمعادلة القرار في الجنوب مع تراجعٍ الغطاء الأوروبي وخفوت الصّوت الفرنسي
مع انسحاب الثّقة من المبادرات الفرنسية الخليجية، أصبحت أورتيغا المحرّك الأساسيّ الوحيد على الأرض وهذا يعني أنّ كلّ سياسيٍّ لبنانيٍّ بات يعرف أنّ عليه إرضاء واشنطن، أو تحمّل نتائج الإقصاء أو التّصنيف.
لماذا الآن؟ ما خلفيات التّوقيت؟
جاء التّغيير في لحظةٍ حرجةٍ جدًا…تصعيدٌ متقطّعٌ في الجنوب مع احتمال نشوب حربٍ شاملة.
ضبابيةٌ في رئاسة الجمهورية اللّبنانية، على الرغم من وجود الرّئيس جوزيف عون، في ظلّ توجّهٍ خارجيٍّ إلى التّثبيت أو الطّعن.
ملفّ الغاز البحري والحدود الاقتصادية لا يزال مفتوحًا.
تراجع التّأثير الفرنسي وفشل المبادرة القطرية، ما أعاد الكرة إلى الملعب الأميركي بشكلٍ مباشر.
باختصار، مورغان أورتاغوس لم تأتِ للحوار، بل للحسم. ليس الحسم العسكري بالضّرورة، بل السّياسيّ، الماليّ، والدّيبلوماسي.

ما الذي ينتظر لبنان؟

تغييرٌ في أسلوب الضّغط بدل الحوار والوساطات، قد نرى تجميد ملفاتٍ دولية، فرض شروطٍ مباشرةٍ على المساعدات، وربما توسيع العقوبات على شخصياتٍ نافذة.
تشديد في التّعاطي مع المقاومة…اورتاغوس تعتبر أنّ “الاستقرار يبدأ من إنهاء هيمنة السّلاح”، وهذا سيعيد توتير العلاقة مع حزب الله، وربما يُسرّع في خلق مواجهةٍ غير مباشرةٍ على الأرض أو في مجلس الأمن.
إمكانية تنسيقٍ خفيٍّ مع إسرائيل حول السّيناريوهات الجنوبية، خاصةً أنّ أورتيغا ليست بعيدةً عن “نظرية الرّدع الوقائي”.
محاولاتٌ لتقوية شخصياتٍ لبنانيةٍ محدّدةٍ تراها واشنطن “جاهزةً للمرحلة المقبلة”، قد تكون من خارج المنظومة أو حتّى من المؤسّسة العسكرية.
أورتاغوس ليست بارّاك… والسّياسة لن تعود كما كانت.
فتبديل بارّاك بأورتاغوس ليس مجرد تبديلٍ شخصيٍّ، بل يعكس تحوّلاً في طبيعة الأداء الأميركي ،من الصّبر الاستراتيجيّ إلى الحسم التّكتيكيّ.
من المسار التّفاوضيّ الطّويل إلى المقاربة بالمهل والضّغوط.
ومن لغة الحياد الظّاهري إلى لغة الاصطفاف الأمنيّ الإقليميّ.
على الدّولة اللّبنانية، أو ما تبقّى منها، أن تدرك بأنّ المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبلها،
وأنّ كلّ نقطة ضعفٍ أو تنازلٍ ستكون مدفوعة الثّمن، سياسياً أو سيادياً.
إذاً استبدال بارّاك بأورتاغوس هو أكثر من تغييرٍ دبلوماسيٍّ, إنّه تحوّلٌ في ميزان القوّة والضّغط داخل لبنان، ورسالةٌ حازمةٌ بأنّ مرحلة المجاملة انتهت، وأنّ القادم هو الفرز، الفرز، ثمّ الإقصاء..

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...