
بعد معركة صفين بين جند علي وجند معاوية انشطر العالم الإسلامي الى نصفين : كل خليفة منهما يدعي لنفسه الشرعية فكان علي يسيطر على معظم الجزيرة العربية وبلاد فارس والعراق ومعاوية يسيطر على مصر وسوريا ، وقد بعث هذا الانقسام وهذه الحلول الوسط الغضب في نفوس العناصر المتدينة المتطرفة التي أطلق عليها اسم الخوارج الذين رفضوا كلاً من الخليفتين المتنافسين ، وأعلنوا أن ما يحدث لا علاقة له بأمور الدين .
وإنما هو صراع تافه من أجل سلطة زائلة ” فالحكم لله وحده ” كما كانوا يصرون وسرعان ما وضعوا معتقداتهم موضع التنفيذ باغتيال أعدائهم وقرر بعضهم أن كلا الخليفتين يستحق القتل وفي كانون ثاني سنة 661 اغتيل علي أثناء دخوله المسجد في عاصمته الكوفة إذ كان مصراً على عدم حراسته مقتدياً بالرسول وأبي بكر ، أما معاوية الذي كان يحظى بالحماية التي تتواجد في بلاط ملكي محنك فقد أفلت من الاغتيال ، وترك علي ابنين ، الحسن والحسين ، اللذين كانا يمثلان في ذلك الوقت كما هو أبوهما من قبل فكرة السلالة الحاكمة في الإسلام ( أي أهل البيت ) .
كان هناك من يؤمنون بعدالة مطلب علي في الخلافة بعد موت الرسول مباشرة ، وقد اتضحت القسمات السياسية لحزبه ” شيعة علي ” بعد موت علي نفسه ، ولم يكن الموضوع مجرد الولاء لرجل أو لأسرته إذ أنه منذ البداية ارتبط اسم علي بالفقراء في مكة والمدينة ، وقد استمر هذا التيار الثوري في الإسلام مما يؤكد المضمون الاجتماعي لرسالة محمد وقد روى أبو ذر الغفاري وهو أحد فلاسفة الإسلام الأول ومن ضمن حزب علي عن الرسول – ص أنه قال : ” ثلاث للناس جميعاً النار والكلأ والماء ” وحينما يذكر أبو ذر الغفاري هذه الأشياء الثلاثة الأساسية بالنسبة لحياة العربي ، فإنه في واقع الأمر كان ينادي بتأميم وسائل الإنتاج قبل ماركس بثلاثة عشر قرناً .
وقد شاعت بين العرب قصص عديدة من شغف الرسول بحفيديه لكنهما على أي حال رجلان يختلف كل منهما في مزاجه الخاص ، ولقيا نهايتين مختلفتين فالحسن كان رجلاً تقياً لا يفرض ذاته وسرعان ما انزوى في حياة خاصة في المدينة حيث مات بعد ثمانية أعوام ، أما الحسين أخوه الأصغر فكان على استعداد أكثر للقتال فرفض أن يعطي البيعة لمعاوية ولا لابنه يزيد الذي لم يرث ممتلكات أبيه في سوريا فقط بل ورث معها أيضاً مطالبته بالخلافة .
وفي خريف 680 م ترك الحسين المدينة مع أسرته ومؤيديه عبر الصحراء قاصداً الكوفة عاصمة أبيه القديمة ، وقد أصبحت قصة خداع قوته الصغيرة التي حاصرتها قوات يزيد في نهاية الأمر وذبحت أفرادها قرب مدينة كربلاء بالعراق بمثابة مأساة إنسانية بل وشخصية راسخة في وجدان الشيعة رسوخ قصة آلام المسيح في وجدان المسيحيين ، وعندما رأى الحسين أن الأمل في القتال وحب الاستشهاد وقد استشهد فيما بعد العديد من شيعة علي .
بعد هذا الموجز لما حصل في الأيام الأولى للإسلام ندخل في جوهر الإسلام الذي يختلف عن المسيحية في أنه لا يفرض على المؤمنين به القواعد التي تحكم العبادات فقط ، وإنما ينظم أيضاً كل جوانب الحياة اليومية ويزود المؤمنين بإطار لتنظيم الجماعة في هذا العالم ، لقد كان الرسول حامل الرسالة وفي نفس الوقت هو أيضاً الذي يقوم بتطبيقها وبموته اكتملت الرسالة وبقيت القوانين والشرائع ، إلا أن كل قانون يتطلب تفسيراً فما هو مصدر التفسير في الإسلام ؟ ويتركز الخلاف بين السنة والشيعة حول أحد أحاديث الرسول ” تركت فيكم ما لو تبعتموه لن تضلوا ، كتاب الله وسنتي ” .
ويفسر أهل السنة هذا الحديث بأنه يعني القرآن وسنة محمد الرسول لكن الشيعة يضيفون عبارة أخرى الى هذا الحديث ينسبونها الى الرسول ” كتاب الله وسنتي وعترتي أهل بيتي ” ويؤكد أهل السنة أن خلفاء محمد لم يكونوا أكثر من مجرد مفسرين للشريعة غير معصومين من الخطأ مثل بقية البشر ، على حين يؤمن الشيعة بأن محمداً كان هو الإمام أو المفسر أثناء حياته ، وبعد وفاته كان هناك أئمة آخرون من أهل بيته يقدمون التفسير للمؤمنين ، ويجب على الإمام أن يثبت أنه من سلالة علي وفاطمة ابنة الرسول لأن علياً وأهل البيت تلقوا رسالة الله بأعلى قدر من الوضوح .
وإذ يؤمن السنيون بالاعتماد على الاجماع ، يؤمن الشيعة بما يشبه الحق الإلهي لآل البيت ، ويؤمن غالبية الشيعة بأم الأئمة قد استمروا في الدنيا بشكل ظاهر الى أن اختفى الإمام الثاني عشر عام 873 م وهم ينتظرون عودته ، عودة المهدي ، هذا المرشد المعصوم الذي سيقيم العدل في العالم ويحرر الفقراء ، لكن الى أن يحين ذلك اليوم لا بد أن توجد طريقة أخرى لتفسير شرائع الله ، ويمكن العثور عليها من خلال هؤلاء الذين لديهم معرفة وفهم خاص لأمور الدين ، وهم الفقهاء الذين يعدون بمثابة نواب الإمام .