«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ۚ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» — سورة الروم (30:21)
في لبنان، المجتمع الذي يتقاطع فيه الدين بالقانون والطائفية بالثقافة، يثار اليوم مشروع قانون نيابي لتحديد “مدة عقد الزواج بخمس سنوات قابلة للتجديد” !! من النظرة الأولى، يبدو الطرح مجرد “تجربة قانونية” أو تحديث شكلي، لكن في العمق هو مشروع مشوه يفرغ الزواج من جوهره ويحول الزوج والأولاد إلى سلعة ومادة قابلة للتداول، لا إلى بشر لهم حقوق ومستقبل. هذا المشروع يتناقض مع قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية، ويضرب القيم الدينية، والاستقرار الاجتماعي، والجانب النفسي للعائلة، ويعد مثالا واضحا على التطبيع الناعم الذي يزرع مفاهيم دخيلة لتصبح مألوفة لدى الأجيال القادمة.
أولا: البعد الديني والشرعي
الزواج في الفقه الإسلامي والمسيحي هو عقد دائم ومقدس، يهدف إلى السكينة والمودة والرحمة بين الزوجين، وليس مجرد تجربة مؤقتة أو علاقة عابرة.
في الإسلام: الزواج الشرعي عقد متكامل ومرن، يمكن للطرفين وضع شروطهما الخاصة فيه، بما لا يتنافى مع الدين والأخلاق والمجتمع. تشمل هذه البنود: النفقة، المهر، السكن، قيود التعدد، وطرق الفسخ المشروعة، ما يجعل العقد الشرعي أداة حماية متقدمة للطرفين، وخصوصا المرأة التي يكفل لها الشرع حقوقا واضحة في النفقة، الميراث، والحضانة.
في المسيحية: الزواج أيضا عقد دائم، وينظر إليه كسر مقدس، مع إمكانية وضع شروط واقعية للطرفين ضمن الزواج (مثل السكن، المسؤوليات المادية، الالتزامات تجاه الأطفال)، بحيث يضمن العقد حماية الطرفين ويؤكد الالتزام والاستمرارية كأساس للعلاقة الزوجية.
الجهل بطبيعة العقود الدينية هو السبب الرئيسي الذي يدفع البعض للجوء إلى القانون المدني، ظنا أن هناك حماية أكبر أو مرونة أكثر، بينما في الحقيقة العقود الدينية، الإسلامية والمسيحية، توفر ضمانات فعالة وحماية للطرفين إذا استخدمت الآليات القانونية والشرعية المتاحة بشكل صحيح.
أي مشروع يحد مدة العقد إلى “خمس سنوات قابلة للتجديد”، يحول الزواج إلى منتج قابل للتداول والفصل كما في العقود التجارية، ما يتناقض مع جوهر الزواج الديني، ويضعف القدسية والاستقرار الأسري. في السياق اللبناني، حيث يؤدي الدين دورا أساسيا في تنظيم الزواج والأسرة ،وفق قانون لاحوال الشخصية ، فإن هذا الاقتراح لا يشكل فقط خروجا على الشرع، بل أيضا تحديا للقيم المجتمعية والثقافية التي تحمي الأسرة من التفكك.
الزواج الديني، سواء الإسلامي أو المسيحي، ليس مجرد اتفاق قانوني بين طرفين، بل هو أداة لبناء الأسرة والمجتمع، وحماية الأطفال، ونقل القيم الأخلاقية والاجتماعية من جيل إلى جيل. أي مشروع يضعف هذا الأساس، حتى لو بدا قانونيا أو مدنيا، فهو ينخر في صميم المجتمع ويهدد استقراره.
ثانيا: البعد القانوني
الأحوال الشخصية اللبنانية منظمة طائفيا، وتحمي الحقوق ضمن إطار الزواج الدائم. أي محاولة لتطبيق “زواج مؤقت” تتجاوز صلاحيات المحاكم الدينية وتتناقض مع القانون.
حتى في النظم المدنية الحديثة، الزواج الدائم هو الأساس مع إمكانية الطلاق عند الضرورة، ما يجعل العقد المحدد المدة صيغة مخالفة لمبدأ حماية الأسرة.
النتيجة العملية ستكون فوضى تشريعية: تضارب بين أحكام المحاكم الدينية، مفاهيم رمزية للزواج، ومساحات واسعة من الالتباس القانوني حول الحقوق والواجبات (الميراث، الحضانة، النفقة، السكن…).
ثالثا: البعد الاجتماعي
الأسرة اللبنانية هي وحدة أساسية للاستقرار الاجتماعي، وتحويل الزواج إلى علاقة مؤقتة يضعف التضامن الأسري والقيم المجتمعية.
التجارب الدولية تظهر نتائج سلبية:
فرنسا (PACS): صيغ وسطية أدت إلى تغير أنماط الارتباط الاجتماعي، مع الحاجة المستمرة لتعديل السياسات لحماية الأسر.
الزواج المؤقت في بعض السياقات الشيعية (sigheh/mut’ah) أظهر هشاشة اجتماعية للنساء وزيادة النزاعات الأسرية.
هذا المشروع يتعامل عمليا مع الزوج والأطفال كسلعة: يمكن “التجديد” أو “الفسخ” وفق ما يراه الطرفان، دون اعتبار للطابع الإنساني أو الأثر العاطفي والنفسي.
رابعا: البعد النفسي والتحليلي – أثر المشروع على الزوج والأولاد
الزوج:
تعيش شعورا دائما بعدم الأمان، خوفا من انتهاء العقد و”فقدان الحقوق”.
الدراسات النفسية تشير إلى أن هذا التوتر المزمن يزيد خطر:
١-الاكتئاب السريري
٢- اضطراب القلق العام
٣-اضطراب ما بعد الصدمة العاطفية
٤-اضطرابات النوم والتوتر المزمن
٥-انخفاض القدرة على اتخاذ القرارات المهنية والأسرية
الأولاد:
ينشأون في بيئة يرى فيها الأطفال أن الزواج هش، وقد يتعرضون لفقدان الروابط الأسرية في أي وقت.
العواقب العيادية المحتملة قد. تشمل كعينة على سبيل المثال :
أ-قلق الانفصال
ب-اضطرابات التعلق العاطفي
ج-ضعف الثقة بالنفس
د-اضطرابات سلوكية ومشكلات في التعلم والانخراط الاجتماعي
ه-احتمال ظهور سلوكيات عدوانية أو انعزالية في سن المراهقة والشباب .
خامسا : البعد الاقتصادي
الأسرة المستقرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل مؤسسة اقتصادية أساسية. الزواج الدائم يشجع على التخطيط المالي طويل الأمد، الادخار، والاستثمار، ويخلق بيئة مستقرة تسمح بتحقيق الأهداف الاقتصادية للأسرة والأجيال القادمة. في المقابل، الزواج المؤقت يحول الالتزام المالي إلى علاقة عابرة، ويزيد الميل إلى الاستهلاك الفوري والتخطيط قصير المدى.
بالنسبة للمرأة والأطفال، الزواج المؤقت قد يؤدي إلى فقدان الحماية المالية، مثل السكن، النفقة، والميراث، مما يضعهم في خطر الاعتماد على الدولة أو الأسرة الممتدة، ويزيد احتمال الفقر والهشاشة الاقتصادية.
على المستوى الوطني، تفكك الأسر يضاعف الأعباء على الدولة، من رعاية اجتماعية، تعليم، وصحة، ويقلل قدرة الدولة على استثمار الموارد بكفاءة. التجارب الدولية، مثل PACS الفرنسي أو الزواج المؤقت في بعض الدول الإسلامية، أظهرت زيادة الهشاشة المالية للأسر عند غياب التزامات طويلة الأجل، ما ينعكس سلبا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
سادسا : البعد السياسي – التطبيع الناعم والتمدد الصهيوني وتأثيره على الوطن
التطبيع الناعم هو إدخال قيم أو قوانين جديدة تدريجيا بحيث تصبح مألوفة و”طبيعية” لدى الأجيال القادمة، حتى لو بدا المشروع غريبا أو دخيلا على الجيل الحالي. مشروع “زواج الخمس سنوات” نموذج واضح لهذا الأسلوب: جيلنا يرفضه ويعتبره تشويها للأسرة، بينما الأجيال القادمة ستنشأ على أساسه وتراه أمرا عاديا.
التمدد الصهيوني: يمكن قراءة المشروع ضمن استراتيجية التمدد الصهيوني الاجتماعي والثقافي، أي إدخال تغييرات تدريجية لتقويض البنية الأسرية والثقافية التقليدية اللبنانية، بحيث تصبح أكثر هشاشة وقابلة للتأثير الخارجي. يظهر ذلك من خلال:
1. تسريب فكرة الزواج المؤقت تدريجيا: أولاً كمقترح تجريبي، ثم الإعلان عنه قانونا، ليصبح جزءا من البنية القانونية من دون مواجهة مباشرة.
2. تأثيره على البنية الأسرية: يضعف مركز الأسرة، ويحول المرأة والأولاد إلى “مواد” قابلة للتداول، ما يقلل من قدرة المجتمع على الصمود أمام قيم أو سياسات خارجية.
3. خلق بيئة مشابهة للنماذج الغربية أو الإسرائيلية، حيث الروابط الأسرية أقل ثباتا، ما يسهل فرض التغييرات الثقافية والاجتماعية على المجتمع المحلي.
تأثيره على الوطن: الأسرة هي نواة المجتمع وأساس الدولة؛ عندما تضعف الروابط الأسرية، يضعف التضامن الوطني والقدرة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية. تفكك الأسرة يؤدي إلى تراجع الولاء الوطني، انتشار الفردانية، وتراجع الشعور بالمسؤولية الجماعية. بالتالي، مشروع الزواج المؤقت لا يضر فقط بالأفراد داخل الأسرة، بل يهدد استقرار الوطن وسيادته الثقافية والاجتماعية والسياسية على المدى الطويل.
أثر طويل المدى: ما يبدو اليوم “اختيارا فرديا” قد يتحول مع مرور عقد أو عقدين إلى قاعدة اجتماعية وقانونية طبيعية، أي أن الأجيال القادمة ستقبل الزواج المؤقت كجزء من حياتهم اليومية، مما يضعف الاستقرار الاجتماعي، ويزيد من القدرة على التمدد الصهيوني التدريجي داخل المجتمع والوطن.
الارتباط بين التطبيع والتمدد الصهيوني: كلاهما يستخدم التغيير التدريجي لتغيير مفاهيم الأسرة والهوية الوطنية تدريجيا؛ التطبيع داخلي واجتماعي، بينما التمدد الصهيوني يحمل بعدا سياسيا واستراتيجيا، والنتيجة واحدة: تقويض الاستقرار الأسري والاجتماعي والوطني.
سابعا: نقد لمقترح الزواج المحدد المدة
إن مقترح قانون تحديد “الزواج بخمس سنوات قابلة للتجديد” ليس مجرد مشروع قانون، بل وجه من وجوه الفساد الاجتماعي والتطبيع الناعم الذي يحاول تفكيك الأسرة اللبنانية، وتقويض القيم الدينية والثقافية، واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية للتمدد على ما بعد الانهيار. التلاعب بعقود الزواج وتحويلها إلى علاقة مؤقتة لا يضر فقط بالزوج والأولاد، بل يمس صميم الهوية الوطنية واستقرار الوطن.
من يروج لهذا المقترح يتحدث عن الدين والمجتمع وكأنها أدوات قابلة للتعديل، بينما في الحقيقة يتاجر بالقيم ويعكس أزمات شخصية أو مشاكل زوجية على كل المجتمع. هذا النهج غير مقبول جملة وتفصيلا: لا يجوز لأي فرد أن يحول تجارب شخصية أو مشكلات نفسية إلى قوانين تمس كل الأسر، وتضعف الاستقرار الاجتماعي والوطني.
إن كان لدى أي مقترح هذا النوع من الدوافع النفسية أو الصراعات العاطفية، فالسبيل الصحيح ليس تمرير قوانين مؤذية، بل التوجه إلى مختص نفسي أو معالج متخصص لمعالجة هذه القضايا بشكل فردي، بعيدا عن الإسقاط على المجتمع والقوانين التي تمس كل العائلات.
هذا المشروع، بهذه الطريقة، ليس إصلاحا بل إسقاطات شخصية مقننة على المجتمع، ويشكل خطرا حقيقيا على الأسرة، الأطفال، والاستقرار الوطني. ومن يتبناه يجب أن يحاسب على محاولته تحويل أزمات خاصة إلى سياسة عامة.
خاتمة وتوصيات
مشروع “زواج الخمس سنوات” ليس إصلاحا بل تفخيخاً ناعماً للأسرة اللبنانية، يتعارض مع الأحوال الشخصية والقيم الدينية، ويحول الزوج والأولاد إلى سلعة.
الحل ليس في القوانين المؤقتة، بل في العودة إلى العقد الديني الشرعي ،وتفعيل الشروط الواقعية التي تحمي حقوق الطرفين وتضمن استقرار الأسرة.
على صانعي القرار التركيز على سياسات اجتماعية واقتصادية وصحية تحافظ على سلامة الأسرة واستقرارها النفسي والاجتماعي بدل الانجرار وراء مشاريع مشوهة قد تترك آثارا طويلة الأمد على المجتمع والأجيال القادمة.


