السبت، 7 مارس 2026
محافظة بيروت
15°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

سلام أوكرانيا المعلق على جنزير دبابة

فى نادى shell pay الأرستقراطى خارج مدينة “ميامى” الأمريكية ، وهو ناد خاص مملوك جزئيا للمبعوث الأمريكى الشهير المقاول “ستيف ويتكوف” ، وبعيدا عن أماكن الاجتماعات الرسمية ، تجرى مفاوضات خطط السلام فى أوكرانيا ، ويمثل روسيا فيها “كيريل ديمترييف” مسئول الاستثمار الخارجى الروسى ، فيما يمثل أوكرانيا كبير مفاوضيها “رستم أميروف” ، وهو مسلم من تتار القرم ، جرى ترحيله مع عائلته من “سمرقند” فى “أوزبكستان” فى أربعينيات القرن العشرين ، وإلى أن صار وجها بارزا فى السياسة الأوكرانية ، وتولى لوقت منصب وزير الدفاع الأوكرانى ، وقد شارك فى أغلب المفاوضات مع الروس منذ بدء الحرب الجارية فى 24 فبراير 2022 ، ولعب دورا جوهريا فى مفاوضات “اسطنبول” الأولى عقب بدء الحرب ، ثم لاحقا فى مفاوضات “اتفاق الحبوب” ، التى تدخل الغرب الأوروبى الأمريكى لإفشالها فيما بعد ، ورغم أن المفاوضات الأمريكية تجرى إلى اليوم بصورة منفردة مع ممثل روسيا وأوكرانيا ، ولم تتطور بعد إلى مفاوضات ثلاثية مباشرة ، يطمع الرئيس الأوكرانى “فولوديمير زيلينسكى” فى الانتقال إليها سريعا ، ويتحدث عن تطورات إيجابية ، إلا أن الروس بالمقابل ، لا يبدون فى عجلة من أمر التفاوض ، ويفضلون التفاهم مع الأمريكيين أولا ، والسعى إلى “خض ورج” مواقف الأوروبيين الداعمين أكثر للرئيس الأوكرانى ، وكسب الوقت اللازم لإكمال حملة الشتاء الروسية العسكرية الجديدة ، وفرض وقائع على الأرض ، ترغم الأوروبيين والأوكران على إعلان استسلام نهائى .
وبعيدا عن مباريات إحصاء النقاط فى خطط السلام الأوكرانى ، وسواء كانت خطة “ترامب” الأولى المؤلفة من 28 نقطة ، أو ما جرى ترويجه عن خفضها إلى 20 نقطة باجتهادات الأوروبيين ، وامتعاضهم من انفراد الأمريكيين بالتفاوض مع الرئيس الروسى “فلاديمير بوتين” ، فإن النقاط الأهم فى جولات التفاوض كلها ، تدور حول مصير الأراضى الأوكرانية التى سيطر عليها الروس ، وحول الضمانات الأمنية المقررة لأوكرانيا بعد تخليها رسميا عن حلم الانضمام لحلف شمال الأطلنطى “الناتو” ، ثم حول مصير “زيلينسكى” وجيشه بعد الحرب ، وفيما يصر الروس على اعتراف رسمى وواقعى بانضمام الأراضى الأوكرانية المعنية إلى سيادة روسيا ، وبالذات انضمام المقاطعات الأوكرانية الأربع (دونيتسك ولوجانسك وزابوريجيا وخيرسون) ، إضافة لشبه جزيرة القرم التى ضمتها روسيا عام 2014 ، والمناطق الخمس تشكل نحو ربع إجمالى مساحة أوكرانيا البالغة أكثر قليلا من 600 ألف كيلومتر مربع ، وخطة “ترامب” الأولى ذات الثمانية والعشرين نقطة ، التى أعدها “ويتكوف” و”جاريد كوشنير” مع المبعوث الروسى “ديمترييف” ، تسلم للروس بكافة مطالبهم فى الأراضى الأوكرانية ، وتعترف واقعيا وقانونيا بضمها إلى روسيا ، وبالذات فى مقاطعتى الدونباس (دونيتسك ولوجانسك) ، وهى أغنى مناطق أوكرانيا على الإطلاق ، وقد تضمنها قرار مجلس “الدوما” الروسى الصادر أواخر سبتمبر 2022 ، الذى قضى بضم “الدونباس” بمقاطعتيه إلى كامل الحدود الإدارية ، فى حين لم ينص القرار على ضم “خيرسون” و”زابوريجيا” إلى نهاية الحدود الإدارية ، وترك تحديد خط الحدود إلى الوقائع العسكرية على الأرض ، وبعد مرور نحو أربع سنوات على بدء الحرب ، يبدو خط الحدود الجديد مرسوما عند شاطئ نهر “دنيبرو” الذى يشق أوكرانيا طوليا بين شرق روسى وغرب يظل أوكرانيا إلى حين .
وكما فى الحسم الأمريكى لمسألة الأراضى والانحياز الكامل لرغبات وأمنيات روسيا ، بدا أن مبعوث “ترامب” مع خطته ، يوالون انحيازهم لأهداف روسيا فى المسائل الجوهرية الأخرى ، فهم ضد انضمام أوكرانيا لحلف “الناتو” لا فى الحال ولا فى الاستقبال ، ومع خفض عديد الجيش الأوكرانى إلى 600 ألف جندى ، ومع إجراء انتخابات رئاسية تزيح “زيلينسكى” نفسه عن المشهد ، فقد نصت الخطة الأمريكية على إجراء انتخابات أوكرانية رئاسية فى غضون مئة يوم بعد وقف النار ، وقد انتهت مدة “زيلينسكى” الرئاسية قبل أكثر من عام ، وقد تكون للسياسة الأمريكية دواعيها الذاتية لحصار “زيلينسكى” والخلاص منه ، إما لعدم تجاوبه الكامل ، وربما نقص انصياعه لرغبات “ترامب” المالية ، وإما لنزيف السلاح والمال الأمريكى فى أوكرانيا ، والفساد المتفشى المستشرى فى الداخل الأوكرانى ، الذى أفضى لسرقات مهولة من الأسلحة والأموال ، وقد بلغ الدعم الأمريكى والأوروبى المتنوع لأوكرانيا نحو تريليون دولار إلى اليوم ، ويريد “ترامب” استرداد أموال واشنطن عبر الاستيلاء الكلى على مناجم المعادن الثمينة الغنية فى أوكرانيا ، فوق رغبته فى إزاحة عقبة أوكرانيا والذهاب رأسا إلى استثمارات كبيرة مع روسيا وإلغاء العقوبات المفروضة عليها ، وفوق التسليم الأمريكى بانعدام مقدرة الغرب على قلب الموازين فى الميدان الأوكرانى ، أما الروس فيواصلون سرديتهم الأولى ، سواء حول خطايا العهد السوفيتى فى نقل أراضى ومناطق روسية إلى داخل حدود أوكرانيا ، إضافة لتصميم صانع القرار الروسى على وصم السلطة الأوكرانية بالنازية ، وضرورة نزع الطابع النازى للجيش فى أوكرانيا ، واجتثاث مواريث “ستيبان بانديرا” قائد “حركة القوميين الأوكران” ، الذى كان متهما بالتعاون مع النازى فى الحرب الكبرى ضد روسيا ، وقامت المخابرات السوفيتية “كى .جى . بى” بتصفيته فى مخبئه بمدينة “ميونيخ” الألمانية عام 1959 .
وتبدو أوروبا تائهة ضائعة فى الوضع الراهن ، فهى تتخوف من نتائج النصر الروسى فى أوكرانيا ، وتضيق فرصها فى التحرك والتفاوض بعيدا عن واشنطن ، فالاتحاد الأوروبى مقولة اقتصادية بالأساس ، لكن تنوع مراكز القرار فيه يحرمه من فرصة حقيقية لبلورة مسار سياسى وعسكرى مستقل ، وتبدو خطط الأوروبيين غاية فى الارتباك ، فالإرهاق الاقتصادى والمالى الناتج عن حرب أوكرانيا لا يستبقى موارد كافية لتسليح مستقل ، وإغراء “ترامب” بالدفع نقدا مقابل الأسلحة الأمريكية الذاهبة للميدان الأوكرانى ، لا يبدو مشبعا لتغول الشهية الأمريكية ، خصوصا مع ظهور الرغبة الأمريكية العارمة فى التخلى عن أوروبا ، واعتبار استراتيجية الأمن القومى الأمريكى الجديدة لروسيا كصديق ضمنى وليس تهديدا ، مقابل اعتبار أوروبا خطرا وربما عدوا ضمنيا ، والانتقاد الحاد المغلظ للسياسات الأوروبية ، والقول أنها تسير فى طريق الانتحار ومحو حضارة الغرب ، وكل ذلك مما يزيد أوروبا ارتباكا ، فهى لا تملك رفاهية الاستقلال الأمنى عن واشنطن ، ولم تفلح زيادات موازنات السلاح الأوروبية ، ولا تلبية أوروبا لشروط واشنطن الجائرة فى المعاملات التجارية ، ولا الخضوع لطلبات “ترامب” فى زيادة مستوردات البترول والغاز الأمريكى الأغلى أضعافا عن نظيره الروسى ، وهكذا تضيع أوروبا فى دوامات الحيرة ، فلا هى قادرة على الابتعاد الكلى عن واشنطن ، ولا بوسعها تقديم بديل مقنع لدعم أوكرانيا فى حرب تبدو منتهية لصالح الروس ، ومن ثم بدت أوروبا وكأنها تقدم رجلا وتؤخر أخرى فى المفاوضات الجارية .
وقد حاول الأوروبيون تصليب موقف “زيلينسكى ” فى جولات بحث خطط السلام الأمريكية ، وركزوا على قصص تقديم الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد الحرب ، وتحدثوا عن تصورات لإرسال اختيارى لقوات أوروبية إلى ما يتبقى من الأراضى الأوكرانية ، وبذلوا ضغوطا لفظية على واشنطن للمشاركة فى تقديم الضمانات الأمنية ، لكن أمريكا لا تبدو مستعدة لاستجابة مؤثرة ، وتراعى اعتبارات رفض الروس الكلى لوجود أى قوات أوروبية أو أمريكية على الأراضى الأوكرانية ، وهو ما يدفع الأوروبيين إلى ما يشبه اليأس ، رغم أنهم يحاولون فتح طريقهم الخاص إلى حوار مع “بوتين” ، على طريقة إعلان الرئيس الفرنسى “إيمانويل ماكرون” عن استعداده مجددا للقاء مع الرئيس الروسى ، وهو ما رحبت به موسكو فى إغراء سياسى ظاهر ، خصوصا أن اجتماعات قمة الاتحاد الأوروبى الأخيرة ، فشلت فى تقرير سرقة الأصول الروسية المجمدة فى “بروكسل” عاصمة الاتحاد ، وتقديمها كما ادعوا لإعادة إعمار أوكرانيا ، واعتمد القادة الأوروبيون قرارا بديلا ، تعهدوا فيه بتقديم قروض جديدة لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو ، مع خلاف على طريقة استرداد القروض ، بعد رفض اقتراح استعادتها من الأصول الروسية المجمدة البالغة نحو 300 مليار دولار ، وهو ما ردت عليه روسيا مرارا ، وأكدت عزمها على الرد بإجراء فى الاتجاه العكسى ، ومصادرة الأصول الأوروبية داخل روسيا .
والأهم مما يجرى فى كواليس التفاوض ، أن الوقائع العسكرية على الأرض تمضى باطراد لصالح روسيا ، التى لم تعد تكتفى بالسيطرة على “القرم” والمقاطعات الأربع فى غالبها ، بل تزيد مساحات سيطرتها المستجدة فى مقاطعات “سومى” و”دنيبروبتروفسك” و”ميكولاييف” و”خاركيف” ، وقد استعادت القوات الروسية مؤخرا سيطرتها على مدينة “كوبيانسك” فى مقاطعة “خاركيف” ، وتقدمت لسيطرة تامة مفاجئة على “سيفرسك” فى غرب مقاطعة “دونيتسك” ، وانفتح الطريق أمامها للسيطرة لاحقا على مدينتى “كراماتورسك” و”سلافيانسك” بعد التقدم المستمر داخل “بوكروفسك” و”ميرنوجراد” ، وهو ما يعنى ببساطة ، أن التفاوض حول سلام أوكرانيا سيظل معلقا لوقت إضافى ، فلا أحد يكسب على موائد التفاوض بأبعد مما تصل إليه الأقدام وجنازير الدبابات فوق الأرض .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...