السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين الضربة واللا ضربة: لبنان والمنطقة في زمن القلق المفتوح

كارولين ياغي

لا يُشترط اندلاع الحروب في الشرق الأوسط كي تترك بصماتها العميقة. يكفي أن تُطرَح كاحتمال، حتى يبدأ القلق بالتسلل إلى الجغرافيا والناس معًا. حتى هذه اللحظة، تتكاثر التقديرات حول ضربة أميركية محتملة لإيران، تُقدَّم في الخطاب السياسي الأميركي على أنها «محدودة وحاسمة»، في إطار سعي دونالد ترامب إلى إعادة ترسيخ معادلة الردع، من دون الغرق في حرب طويلة ومكلفة. غير أن تجارب المنطقة المتراكمة تُظهر أن ما يُوصَف بالضربات المحدودة نادرًا ما يبقى محدودًا في مفاعيله، وأن الحسابات الباردة غالبًا ما تصطدم بواقع إقليمي أكثر تشابكًا وتعقيدًا.
إن أي عمل عسكري ضد إيران، مهما بدا محسوبًا، سيضع المنطقة أمام مرحلة توتر مرتفع. تصعيد غير مباشر في الخليج، تهديدات متزايدة للممرات البحرية الحيوية، وتحريك للساحات المرتبطة بإيران عبر رسائل أمنية مدروسة، لا تصل إلى حدّ الحرب الشاملة، لكنها ترفع مستوى عدم الاستقرار وتُبقي الإقليم في حالة اهتزاز دائم.
لا تكمن الإشكالية في حجم الضربة بقدر ما تكمن في كيفية تفسيرها. فما تعتبره واشنطن رسالة ردع واضحة، قد تراه طهران خرقًا لقواعد الاشتباك، ما يفتح الباب أمام ردود متدرجة يصعب التحكم بإيقاعها أو سقفها.
يتحرّك التهديد الأميركي بالضربة ضمن خليط من الحسابات الاستراتيجية والسياسية. فترامب يسعى إلى تكريس صورة الحزم والقوة، داخليًا وخارجيًا، من دون تحمّل كلفة مواجهة مفتوحة تستنزف الاقتصاد الأميركي وتعيد إلى الذاكرة إرث الحروب الثقيلة في الشرق الأوسط.
لكن الردع، حين لا يُستكمل بمسار سياسي واضح، يتحوّل إلى حالة توتر مزمنة، تُبقي المنطقة معلّقة بين تهديد لا يُنفَّذ بالكامل، وانفجار لا يمكن استبعاده في أي لحظة.
في هذا السياق، لا يحتاج لبنان إلى أن يكون ساحة اشتباك مباشرة كي يتضرر. فكل تصعيد أميركي إيراني يضع جنوبه في دائرة الانتظار القلق، ويضاعف المخاوف الشعبية حتى من دون طلقة واحدة.
لبنان اليوم بلد هشّ، اقتصاديًا ونفسيًا. يكفي ظلّ الحرب ليشلّ ما تبقى من حياة يومية، ويقوّض أي أمل بالتعافي، في وطن يقف أصلًا على حافة الانهيار، ويُدفَع مرة جديدة إلى تسديد فاتورة صراعات تفوق قدرته على الاحتمال.
وحتى في حال عدم وقوع الضربة، لا يعني ذلك انفراجًا حقيقيًا. سيبقى الإقليم عالقًا في حالة «لا حرب ولا سلام»، مع استمرار الضغوط والعقوبات وحروب الظل. إيران ستواصل سياسة المناورة، وواشنطن ستُبقي التهديد قائمًا كأداة ضغط دائمة.
أما لبنان، فسيبقى أسير انتظار قاتل: لا تصعيد شامل، لكن لا استقرار. لا حرب، لكن لا أفق سياسي أو اقتصادي واضح.
هكذا يقف لبنان بين الضربة واللا ضربة، خارج دائرة القرار، وداخل دائرة التأثّر. وفي كلتا الحالتين، يدفع اللبناني ثمن صراعات أكبر منه، ويعيش على إيقاع قلق مزمن، في منطقة لا تُنهي أزماتها، بل تتقن فقط فنّ تأجيل انفجارها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...