الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من غرينلاند إلى لبنان... أوهام الضمّ… وحقائق النفوذ

كلُّ ما يُرفَضُ اليوم، قد يُصبِحُ مقبولًا غدًا… هذه العبارة تختصر الكثير من منطق السياسة الدوليّة، حيث لا تُقاسُ الأفكارُ بصدقيّتها الأخلاقيّة بقدر ما تُقاسُ بميزان القوّة والمصلحة. ومن هذا المنطلق، طُرِحَ في السنوات الأخيرة سؤالٌ بدا صادمًا للبعض: لماذا أصرّ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على فكرة ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتحدة؟ وهل يمكن، يومًا ما، أن يُطرَح سيناريو مشابه بحقّ لبنان؟

إنّ الإصرار الأميركي على غرينلاند لم يكن نزوةً إعلاميّة ولا مجرّد تصريحٍ شعبويّ، بل تعبيرًا فاضحًا عن تفكيرٍ استراتيجيّ يقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة: الموقع، والثروة، والأمن القومي. فغرينلاند تقع في قلب القطب الشمالي، حيث الممرّات البحريّة المستقبليّة، وتجاور مساحات النفوذ الروسي والصيني. كما تختزن في باطنها معادن نادرة واحتياطات طاقة تُعدّ من أثمن ثروات القرن المقبل. أمّا أمنيًّا، فالولايات المتحدة موجودة عسكريًّا هناك منذ عقود، ما جعل فكرة “الشراء” في ذهن ترامب امتدادًا لمنطق السيطرة لا اختراقًا له.

لكنّ الخطأ القاتل يكمن في إسقاط هذا النموذج على لبنان. وهنا يصبح واجبًا قول الحقيقة بلا مواربة: ضمّ لبنان إلى الولايات المتحدة غير ممكن، لا قانونيًا ولا سياسيًا ولا واقعيًا. فلبنان دولة ذات سيادة، عضو كامل في الأمم المتحدة، له دستور وحدود معترف بها دوليًا، وليس إقليمًا تابعًا أو كيانًا ذا حكمٍ ذاتيّ يمكن التفاوض على مصيره. كما أنّ كلفة ضمّ دولة مأهولة، متعدّدة الطوائف، ومأزومة سياسيًا واقتصاديًا، تفوق أي منفعة محتملة، حتّى على أعظم الإمبراطوريات.

أما ما يُثار حول الثروة النفطيّة والغازيّة في البحر اللبناني، وربما في البرّ لاحقًا، فلا يشكّل مبرّرًا لأي سيناريو ضمّ. فالدول الكبرى لا تحتاج إلى رفع أعلامها فوق الأراضي كي تستفيد من خيراتها. يكفيها أن تُمسك بالقرار السياسي، وأن تُحكِم قبضتها عبر العقود، والضغوط، وشبكات النفوذ، وتوازنات الداخل. السيطرة الحديثة لا تمرّ بالدبّابة، بل بالاتفاقيّة، ولا تُعلَن بالاحتلال، بل تُمارَس بالإدارة غير المباشرة.

وهنا تحديدًا يكمن الخطر الحقيقي على لبنان. الخطر ليس أن يُضمّ رسميًا إلى دولة أخرى، بل أن يتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة تُدار من الخارج، وأن تُستنزَف ثرواته باسم الشراكات، وتُكبَّل سيادته باسم الاستقرار، فيما يبقى شكليًا دولة مستقلّة، بعلمٍ مرفوع ونشيدٍ وطنيّ، لكن بلا قرار.

إنّ السؤال الصحيح ليس: هل يمكن ضمّ لبنان؟
بل: هل يستطيع لبنان حماية قراره وثروته قبل أن يُفرَض عليه واقعٌ لا يحتاج إلى ضمّ؟

في عالم المصالح، لا شيء مستحيل نظريًا، لكنّ الأوطان لا تسقط دائمًا بالاحتلال… أحيانًا تسقط حين تعجز عن الدفاع عن نفسها من الداخل…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...