الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان: الفوضى والواسطة… امتياز يجذب السياح.

مما لا شك فيه أن النفس البشرية لها أهواؤها، وليس سهلًا السيطرة عليها وجعلها أسيرة عاداتٍ وتقاليد وقوانين، وكأن المدينة الفاضلة قد قامت وهؤلاء ناسها.
وحتى لا أكون ممن يشجّعون على الرذيلة، ولو بمعناها الفوضوي المألوف في كثير من المجتمعات، لا بد من القول إن الاعتياد قاتل؛ قاتل لما فيه من رتابة تجعل الملل ثقيل الإيقاع.
أذكر يومًا كانت إحدى قريباتنا تزور ابنتي، وهي من عمرها، وهذه القريبة مقيمة مع أهلها خارج لبنان، وتحديدًا في السويد. أحببت أن أحدثها، فسألتها: أين العيش أفضل؟
وفي معرض الرد، أخبرتني عن روتين الحياة هناك، وأنه لا يوجد شيء اسمه: «ياي، اجت الكهرباء».
خلاصة القول إن فكرة انقطاع الكهرباء، على بشاعتها وتخلّفها، تحمل مفارقة غريبة؛ إذ تمنحنا لحظة شعور بالسعادة عند وصول الكهرباء.
والجدير ذكره أن السويد تُعد من البلدان ذات نسب انتحار مرتفعة، رغم رفاهية العيش فيها، أو ربما بسببه.
قياسًا على بلد كلبنان، يزدحم الرأس بمشاكل أصبحت من غابر الأيام حتى في أكثر البلدان تخلّفًا.
ولا تكاد تصحو على همٍّ قديم، حتى يطلّ كل يوم همٌّ جديد وأزمة “ترند”.
والأهم أن الشعب اللبناني يواكب همومه ويتخصّص بها؛ ففي أزمة الدولار أصبح الشعب كله صرّافين، ويوم انقطع البنزين تاجرنا به وكذلك، والخبز، والماء، والدواء، و…
أما في بلدان العالم المتقدم، أصبح تطبيق النظام بحدّ ذاته مزعجًا، والأكثر إزعاجًا أدوات الرقابة التي تكاد تكون بوليسية واستخباراتية؛ فأنت مراقَب على مدار الوقت، وفي كل حركة.
لا شك أن النظام مطلوب، لكن الاعتياد المطلق على النظام والقانون قد يفقدهما معناهما، تمامًا كما كل نعمة.
وليست الحكمة القائلة: «إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فاغمض عينيك»، إلا دليلًا على ما نقول. فالإحساس الدائم بالأمن والأمان، وتطبيق النظام كـ System صارم، يدفع الناس إلى التململ.
ناهيك عن أن الطبع البشري يرغب بالتفلّت بين الفينة والأخرى.
ومن هنا تصبح المجتمعات الفوضوية، paradoxically، مجتمعات جاذبة، ولا أبالغ إن قلت إنها أصبحت مقصدًا يضاهي بعض المدن والدول السياحية المشهورة بآثارها أو مناخها.
وهذا ما يبرّره حجم الوافدين إلى لبنان في العطل والمناسبات وإجازة الصيف.
هنا في لبنان تستطيع أن تفعل ما تريد، خاصة إن كنت مقتدرًا ماديًا:
تخالف القوانين، وليس قانون السير أولها —
أن تُقيم عراضات سيارات ومواكب ومرافقين، وأنت «مطرح ما مقيم بالخارج»، لا أحد “يُشيلك من ارضك”
سابقًا، كانت الكسليك وجونية والروشة مقصدًا للخليج، لما فيها من أماكن ترويح وترفيه…
أما اليوم، وبعد أن أصبح في دول الخليج وزراء للترويح وامراء للترفيه، فما عادت الكسليك كما كانت.
النظام في لبنان، للأسف، صار بعدد أرقام هواتف أصحاب السطوة التي تملكها ،
وطبعًا… صار في «خدمات لها عرض وطلب عند قوى النفوذ».
من هنا، فإن أي حكومة تدّعي أن عدد زوار لبنان إنجازٌ لها، هو ادعاء فارغ يُعاقَب عليه القانون في بلاد القانون.
لأن هؤلاء الزوار، جلّهم، غادروا لبنان بسبب هؤلاء الحكّام الذين ما زالوا امتدادًا لأسلافهم منذ نشأة لبنان.
وإذا أضفنا الفوضى والوساطة كعنصر جذب لزيارة لبنان، تصبح التهمة مضاعفة؛
لأن الحاكم بنى كل شيء… إلا بلدًا اسمه دولة،
واسم دولة يجب أن يُعاقَب عليها القانون أيضا ، لما فيها من انتحال صفة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...