الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
19°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان: الفوضى والواسطة… امتياز يجذب السياح.

مما لا شك فيه أن النفس البشرية لها أهواؤها، وليس سهلًا السيطرة عليها وجعلها أسيرة عاداتٍ وتقاليد وقوانين، وكأن المدينة الفاضلة قد قامت وهؤلاء ناسها.
وحتى لا أكون ممن يشجّعون على الرذيلة، ولو بمعناها الفوضوي المألوف في كثير من المجتمعات، لا بد من القول إن الاعتياد قاتل؛ قاتل لما فيه من رتابة تجعل الملل ثقيل الإيقاع.
أذكر يومًا كانت إحدى قريباتنا تزور ابنتي، وهي من عمرها، وهذه القريبة مقيمة مع أهلها خارج لبنان، وتحديدًا في السويد. أحببت أن أحدثها، فسألتها: أين العيش أفضل؟
وفي معرض الرد، أخبرتني عن روتين الحياة هناك، وأنه لا يوجد شيء اسمه: «ياي، اجت الكهرباء».
خلاصة القول إن فكرة انقطاع الكهرباء، على بشاعتها وتخلّفها، تحمل مفارقة غريبة؛ إذ تمنحنا لحظة شعور بالسعادة عند وصول الكهرباء.
والجدير ذكره أن السويد تُعد من البلدان ذات نسب انتحار مرتفعة، رغم رفاهية العيش فيها، أو ربما بسببه.
قياسًا على بلد كلبنان، يزدحم الرأس بمشاكل أصبحت من غابر الأيام حتى في أكثر البلدان تخلّفًا.
ولا تكاد تصحو على همٍّ قديم، حتى يطلّ كل يوم همٌّ جديد وأزمة “ترند”.
والأهم أن الشعب اللبناني يواكب همومه ويتخصّص بها؛ ففي أزمة الدولار أصبح الشعب كله صرّافين، ويوم انقطع البنزين تاجرنا به وكذلك، والخبز، والماء، والدواء، و…
أما في بلدان العالم المتقدم، أصبح تطبيق النظام بحدّ ذاته مزعجًا، والأكثر إزعاجًا أدوات الرقابة التي تكاد تكون بوليسية واستخباراتية؛ فأنت مراقَب على مدار الوقت، وفي كل حركة.
لا شك أن النظام مطلوب، لكن الاعتياد المطلق على النظام والقانون قد يفقدهما معناهما، تمامًا كما كل نعمة.
وليست الحكمة القائلة: «إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فاغمض عينيك»، إلا دليلًا على ما نقول. فالإحساس الدائم بالأمن والأمان، وتطبيق النظام كـ System صارم، يدفع الناس إلى التململ.
ناهيك عن أن الطبع البشري يرغب بالتفلّت بين الفينة والأخرى.
ومن هنا تصبح المجتمعات الفوضوية، paradoxically، مجتمعات جاذبة، ولا أبالغ إن قلت إنها أصبحت مقصدًا يضاهي بعض المدن والدول السياحية المشهورة بآثارها أو مناخها.
وهذا ما يبرّره حجم الوافدين إلى لبنان في العطل والمناسبات وإجازة الصيف.
هنا في لبنان تستطيع أن تفعل ما تريد، خاصة إن كنت مقتدرًا ماديًا:
تخالف القوانين، وليس قانون السير أولها —
أن تُقيم عراضات سيارات ومواكب ومرافقين، وأنت «مطرح ما مقيم بالخارج»، لا أحد “يُشيلك من ارضك”
سابقًا، كانت الكسليك وجونية والروشة مقصدًا للخليج، لما فيها من أماكن ترويح وترفيه…
أما اليوم، وبعد أن أصبح في دول الخليج وزراء للترويح وامراء للترفيه، فما عادت الكسليك كما كانت.
النظام في لبنان، للأسف، صار بعدد أرقام هواتف أصحاب السطوة التي تملكها ،
وطبعًا… صار في «خدمات لها عرض وطلب عند قوى النفوذ».
من هنا، فإن أي حكومة تدّعي أن عدد زوار لبنان إنجازٌ لها، هو ادعاء فارغ يُعاقَب عليه القانون في بلاد القانون.
لأن هؤلاء الزوار، جلّهم، غادروا لبنان بسبب هؤلاء الحكّام الذين ما زالوا امتدادًا لأسلافهم منذ نشأة لبنان.
وإذا أضفنا الفوضى والوساطة كعنصر جذب لزيارة لبنان، تصبح التهمة مضاعفة؛
لأن الحاكم بنى كل شيء… إلا بلدًا اسمه دولة،
واسم دولة يجب أن يُعاقَب عليها القانون أيضا ، لما فيها من انتحال صفة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...