الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان: الفوضى والواسطة… امتياز يجذب السياح.

مما لا شك فيه أن النفس البشرية لها أهواؤها، وليس سهلًا السيطرة عليها وجعلها أسيرة عاداتٍ وتقاليد وقوانين، وكأن المدينة الفاضلة قد قامت وهؤلاء ناسها.
وحتى لا أكون ممن يشجّعون على الرذيلة، ولو بمعناها الفوضوي المألوف في كثير من المجتمعات، لا بد من القول إن الاعتياد قاتل؛ قاتل لما فيه من رتابة تجعل الملل ثقيل الإيقاع.
أذكر يومًا كانت إحدى قريباتنا تزور ابنتي، وهي من عمرها، وهذه القريبة مقيمة مع أهلها خارج لبنان، وتحديدًا في السويد. أحببت أن أحدثها، فسألتها: أين العيش أفضل؟
وفي معرض الرد، أخبرتني عن روتين الحياة هناك، وأنه لا يوجد شيء اسمه: «ياي، اجت الكهرباء».
خلاصة القول إن فكرة انقطاع الكهرباء، على بشاعتها وتخلّفها، تحمل مفارقة غريبة؛ إذ تمنحنا لحظة شعور بالسعادة عند وصول الكهرباء.
والجدير ذكره أن السويد تُعد من البلدان ذات نسب انتحار مرتفعة، رغم رفاهية العيش فيها، أو ربما بسببه.
قياسًا على بلد كلبنان، يزدحم الرأس بمشاكل أصبحت من غابر الأيام حتى في أكثر البلدان تخلّفًا.
ولا تكاد تصحو على همٍّ قديم، حتى يطلّ كل يوم همٌّ جديد وأزمة “ترند”.
والأهم أن الشعب اللبناني يواكب همومه ويتخصّص بها؛ ففي أزمة الدولار أصبح الشعب كله صرّافين، ويوم انقطع البنزين تاجرنا به وكذلك، والخبز، والماء، والدواء، و…
أما في بلدان العالم المتقدم، أصبح تطبيق النظام بحدّ ذاته مزعجًا، والأكثر إزعاجًا أدوات الرقابة التي تكاد تكون بوليسية واستخباراتية؛ فأنت مراقَب على مدار الوقت، وفي كل حركة.
لا شك أن النظام مطلوب، لكن الاعتياد المطلق على النظام والقانون قد يفقدهما معناهما، تمامًا كما كل نعمة.
وليست الحكمة القائلة: «إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فاغمض عينيك»، إلا دليلًا على ما نقول. فالإحساس الدائم بالأمن والأمان، وتطبيق النظام كـ System صارم، يدفع الناس إلى التململ.
ناهيك عن أن الطبع البشري يرغب بالتفلّت بين الفينة والأخرى.
ومن هنا تصبح المجتمعات الفوضوية، paradoxically، مجتمعات جاذبة، ولا أبالغ إن قلت إنها أصبحت مقصدًا يضاهي بعض المدن والدول السياحية المشهورة بآثارها أو مناخها.
وهذا ما يبرّره حجم الوافدين إلى لبنان في العطل والمناسبات وإجازة الصيف.
هنا في لبنان تستطيع أن تفعل ما تريد، خاصة إن كنت مقتدرًا ماديًا:
تخالف القوانين، وليس قانون السير أولها —
أن تُقيم عراضات سيارات ومواكب ومرافقين، وأنت «مطرح ما مقيم بالخارج»، لا أحد “يُشيلك من ارضك”
سابقًا، كانت الكسليك وجونية والروشة مقصدًا للخليج، لما فيها من أماكن ترويح وترفيه…
أما اليوم، وبعد أن أصبح في دول الخليج وزراء للترويح وامراء للترفيه، فما عادت الكسليك كما كانت.
النظام في لبنان، للأسف، صار بعدد أرقام هواتف أصحاب السطوة التي تملكها ،
وطبعًا… صار في «خدمات لها عرض وطلب عند قوى النفوذ».
من هنا، فإن أي حكومة تدّعي أن عدد زوار لبنان إنجازٌ لها، هو ادعاء فارغ يُعاقَب عليه القانون في بلاد القانون.
لأن هؤلاء الزوار، جلّهم، غادروا لبنان بسبب هؤلاء الحكّام الذين ما زالوا امتدادًا لأسلافهم منذ نشأة لبنان.
وإذا أضفنا الفوضى والوساطة كعنصر جذب لزيارة لبنان، تصبح التهمة مضاعفة؛
لأن الحاكم بنى كل شيء… إلا بلدًا اسمه دولة،
واسم دولة يجب أن يُعاقَب عليها القانون أيضا ، لما فيها من انتحال صفة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...