الجمعة، 4 أبريل 2025
بيروت
17°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

أحسن عملك فأنت مجزيٌ به

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره} سورة الزلزلة. قال السيوطي في “الإكليل” “وفي الآيتين الترغيب بقليل الخير وكثيره والتحذير من قليل الشر وكثيره” قال النسفي في “تفسيره” “وروي أن جد الفرزدق (الشاعر المعروف) أتاه عليه السلام ليستقرئه (أي ليتعلم منه) فقرأ (أي النبي صلى الله عليه وسلم) عليه هذه الآية فقال: حسبي حسبي” أي في هذه الآية موعظة كافية لي.
وروى النسائي في “فضائل القرآن” وغيره أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم:”أقرئني سورةً جامعة قال: فاقرأ إذا زلزلت الأرض زلزالها حتى فرَغ منها فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها شيئًا أبدًا ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أفلح الرُّوَيجل أفلح الرُّويجل” وقوله: الرُّويجل تصغير رجل وهو هنا للتَّحبب لا للتحقير.
وفي “تفسير القرطبي” أن ابن مسعودٍ قال في الآية أعلاه:”هي أحكم آيةٍ في القرآن” وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وسمَّاها:”الفاذَّة الجامعة” قال الحافظ ابن حجرٍ في الفتح:”سمَّاها الجامعة لشمولها لجميع الأنواع من طاعةٍ ومعصيةٍ وسمَّاها فاذّةً لانفرادها في معناها فإنه من يعمل من السعداء زِنة نملة صغيرةٍ من الخير ير ذلك في كتابه أو ير جزاءَه لأن الكافر لا يرى خيرًا في الآخرة” وكذلك من يعمل من الأشقياء مثقال ذرةٍ من الشر يره أي يرى جزاءَه. والفذ في اللغة الفرد ونبَّه بقوله: مثقال ذرةٍ على أن ما فوق الذرة يراه كذلك قليلًا كان أو كثيرًا. قال تعالى:{ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممَّا فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا} سورة الكهف.
وفي كتاب “الموطأ” أن الإمام مالك بن أنسٍ صاحب المذهب المالكي قال:”بلغني أن مسكينًا استطعم (طلب الطعام) عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنبٌ فقالت لإنسانٍ: خذ حبةً فأعطه إيَّاها فجعل ينظر إليها ويعجب فقالت عائشة: أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرةٍ” وعن أبي ذرٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق” رواه الترمذي. وهو متضمِّنٌ الحث على فعل المعروف وترك تحقير شأنه وعدم الإعراض عنه وإن قلَّ ولو أن تبَشَّ وتبتسم في وجه أخيك المؤمن فتدخل السرور إلى قلبه ابتغاء مرضاة الله تعالى. وإذا عُلم هذا ورأيت من خلال ما تقدَّم بعض ما جاء في الحث على الخير والتحذير من الشر نقول:
لقد أعطانا الله تعالى الحياة وسلَّط علينا الموت المزيل لهذه الحياة وجعل من وراء ذلك البعث والجزاء فحريٌ بالعاقل أن يكون ذلك حافزًا له إلى اختيار العمل الصالح على العمل الطَّالح
وفي هذا المعنى قيل:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخرًا يكون كصالح الأعمال
فمن كرمت عليه نفسه سعى في سبيل افتكاكها من العذاب الشديد يوم القيامة فإن العاقل يربأ بنفسه عن الخزي والله تعالى يقول:{ربنآ إنك من تُدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار} سورة آل عمران. ومن هنا فإننا ننصح مريد السلامة أن يبادر إلى الأعمال الصالحة وينتهز فرصة إمكان فعلها قبل هجوم هادم اللذات الموت وأن يسأل الله تعالى العون على تيسير الأعمال الصالحة لتنقاد نفسه لفعلها ويصرف عنه الموانع التي تحول بينه وبين فعل القُرب ولا يغفل عن محاسبة نفسه فينظر ما تعلق برقبته من حقوقٍ لله كصلاة أو زكاةٍ فيؤديها أو حقوقٍ للعباد كأماناتٍ وغيرها فيُبَرِّئ ذمَّته منها قبل أن ينتقل من سعة القصر إلى ضيق القبر فإن الله تعالى يقول:{وكل إنسانٍ ألزمناه طآئره في عنقه ونخرجُ له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} سورة الإسراء.
وطائره عمله من الخير أو الشر وإنما صحَّ تسمية العمل طائرًا لأنه يسبقُ عامله فكأنه يطير طيرانًا ومعنى ألزمناه طآئره في عنقه الزمناه جزاء عمله الذي قدَّمه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ملازمًا له وقد كانت العرب تُكني بالعنق والرقبة عن جملة الإنسان ومن ذلك قولهم: أعتق فلانٌ رقبة في المملوك وقولهم: الأمانة في عنقه ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الآيتين أول المقال.
وحيث عُلم هذا فجديرٌ بالمؤمن أن يجعل هاتين الآيتين نصب عينيه وأن يفكر مليًا قبل أن يدخل في أي عملٍ من الأعمال القلبية أو القولية أو الفعلية فينظر إن كان عمله هذا على وَفق الشرع فعله وإن كان على خلاف الشرع اجتنبه فإن الدنيا دار اختبار وامتحان والكيّس من حفظ نفسه من الذنوب وحماها من الموبقات كالسقيم يذهب إلى الطبيب فيمنعه من كذا وكذا ليشفى من عِلَّته ويعيش مرتاحًا فمن كان حريصًا على سلامة نفسه من الأمراض لزم إرشادات الطبيب والأحرى بالمؤمن أن يكون حريصًا على سلامة نفسه في الآخرة بحفظها من العذاب الأليم فيحمي نفسه مما يُعرضها لاستحقاق العقوبة ولا ينجرف مع الغافلين فيغفل عمَّا ينتظره في القيامة من الحساب فقد روى مسلم عن أبي ذرٍ الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل أنه قال: “يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”وقوله ثم أوفيكم إياها أي أوفيكم جزاءها وثوابها
“من ثمرات العمل الصالح”
هذا وأبواب الخير كثيرة ولكن قلَّ من الناس من يدخل فيها فإننا لو نظرنا إلى حال العباد في شتى بقاع الدنيا لوجدنا أن أكثر الناس ليسوا على حالةٍ مرضيةٍ عند الله تعالى فإن أغلبهم قد أعرضوا عن طلب علم الدين الذي هو دليلٌ إلى الأعمال الصالحة وترى كثيرًا ممن نال حظًا من علم الدين لا يعملون بما علموا ونحن نقول: من كَرُمت عليه نفسه هان عليه ما يبذله وسهُل ما يلقاه من مجاهدة هواه وحملها على الازدياد من الأعمال الصالحة عملاً بما أرشد إليه ربنا بقوله:{وافعلوا الخير لعلكم تُفلحون} سورة الحج.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

رمضان والعيد الاستقبال والوداع

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{قل بفضل الله وبرحمته...

أحـــــــمـــــــد حــــســـــــون مـــــفــــتـــي البراميل المتفجرة

مقال كتبه في الشراع زميلنا الكبير الراحل محمد خليفة 16/12/2016 نعيد نشره بعد ورود انباء عن اعتقال حسون...

ياسين: الأمطار القادمة قد تساهم في التخفيف من الحرائق

لفت وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين، إلى أنّ “مؤشر حرائق الغابات مرتفع جدًا، ومع...

"مشوار السوق بده شوال مصاري".. هكذا يحمل السوريون أموالهم

بعد سنوات مريرة من الحرب، أجبر التضخم وانهيار العملة المحلية ملايين السوريين على تغيير عاداتهم....

الاختبارات الحقيقية لمدى فاعلية الدبلوماسية الفلسطينية

السؤال كيف ستسفيد القيادة الفلسطينية من هذا الحق والى اي مدى تمتلك قوة دبلوماسية قادرة على التحرك...

الحلول المستدامة تأتي فقط من داخل لبنان

في العيد الوطني ال72 للمملكة العربية السعودية، اقام سفيرها في بيروت وليد البخاري حفل استقبال اراده...