
أما وقد فُتحت أبواب الإنتخابات النيابية على مصاريعها، وكثُرَ الصيادون الذين يطرحون شباك مصالحهم في خِضّم قوانينها، فليس تطفلاً أن يكون مقالي الثاني، اليوم، عن الانتخابات وقوانينها وما يحيط بها، ويتفرّع منها. وأهمها قانونها النافذ راهناً.
كان محقاً نهاد المشنوق، وزير الداخلية الأسبق، عندما وصف القانون بأنه “قانون اقتل أخاك” طالما أنّ نجاح أي مرشح في أي قائمة إنتخابية مرتبط بقتل أخيه المرشح معه في القائمة عينها “ببندقية الصوت التفضيلي”. وهما اللذان كانا أخوين شريكين في اصطياد أصوات الحاصل للقائمة الانتخابية!!
ليس سراً أنّ هذا القانون القاتل يحظى بموافقة أكبر كتلتين نيابيتين مسيحيتين هما: “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” وبعض المستقلين الذين خدمهم الصوت التفضيلي. ولكن ذلك لا يعني مطلقاً، أنّه القانون الأمثل لجعل التمثيل النيابي يعكس حقيقة تكوين المجتمع اللبناني، ويمنطق النص الدستوري القائل في مادته السابعة والعشرين: “عضو مجلس النواب يمثّل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل ناخبيه.”
النص واضح وصريح: “الأمة جمعاء” تعني أنّ اللبنانيين في منطق الدستور هم “أمة لبنانية” متنوّعة الأصول ومتعددة الطوائف. وأي حزب أو تنظيم أو فصيل سياسي لا يؤمن بذلك يُعتبر، دستورياً، خارقاً للدستور الذي هو سيّد القوانين كلها، وما أكثر هؤلاء في لبنان مع الأسف الشديد!!
ولكي يكون مجلس النواب هو “الإبن الشرعي” للدستور يجب أن يتألف من العناصر التكوينية للبنان، والتي هي مزيج من الأديان والطوائف المنبثقة منها. من هذه النقطة يكون مبدأ أن تنتخب كل طائفة نوابها هو الترجمة الفعلية للنص الدستوري الذي يعتبر النائب ممثلاً للأمة جمعاء.
قلت في مقالي السابق المنشور على موقع “الشراع” إنّ التنافس الإنتخابي الذي يشوه صحة تمثيله القرار الطائفي الأقلوي في المناطق المختلطة، يتحول إلى تنافس محصور داخل الطائفة عينها ويزول التأثير”الدخيل” على صحة التمثيل، إنطلاقاً من قاعدة أنّ الانتخاب حر ومحرر من كل ما يشوب صحته. وهكذا يصل إلى مجلس النواب نواب يمثلون فعلاً، وحصراً، بيئتهم وطوائفهم. وبما أنّ النائب المنبثق من إرادة طائفته محكوم بالتعاون مع زملاء له منبثقين من إرادات طوائف غير طائفته، لا مهرب له من الخضوع لهذه الحقيقة والإنفتاح على الآخرين في تكتلات نيابية عابرة للطوائف.
أما النائب الذي يلتزم عقيدة دينية معينة تعتبر نفسها عابرة للدول والأوطان فسيكون بالنسبة لزملائه طائراً يغرد خارج سرب “الأمة اللبنانية”.
في الأمثال: “رسولك دليل عقلك”. وفي إعتقادي أنّ عقول الأكثرية الساحقة من اللبنانيين هي عقول سليمة، بل وهاجّة، ولا خوف على حسن إختيارها عندما تؤمّن لها السلطة الرسمية الحاكمة المناخ الصحي للإختيار.
ان مقدمة الدستور اللبناني ملأى بالتناقضات. إنها تقرر في الفقرة “ب” بجزم “لبنان عربي الهوية والإنتماء..” ولم تقل عربي الجذور. وهذا أمر غير محسوم وعليه اختلاف حتى اليوم!! ولكن الإكتفاء “بإلغاء الطائفية السياسية” ونسيان “إلغاء الطائفية” هو “فرملة” لكل تطور وتقدم وإنفتاح حضاري، وتجاهل معيب للرؤى الإنسانية التي تجاوزت، وستتجاوز، كل ما هو معيق طموح الإنسان وسعيه نحو الأفضل والأكمل والأفاق غير المحدودة. وقد يُفَسَر على انه ضرب للتمثيل المسيحي.
“الأمة اللبنانية” التي اعترف بها الدستور اللبناني ترفض بجزم وحسم، أن تكون في صفوف الأمم التي “سخرت من جهلها الأمم”.