
قال رئيس أول حكومة لبنانية أعلنت الإستقلال والتحرر من الإنتداب الفرنسي، المظلوم رياض الصلح، في بيان حكومته الأولى سنة ١٩٤٣ ما معناه “ستكون أسعد ساعة في حياتي يوم تُلغى الطائفية في لبنان…”
واليوم، وفي سنة ٢٠٢٥ يقدّم رئيس مجلس النواب اللبناني، بواسطة نائب كتلته علي حسن خليل، إقتراح قانون إلى المجلس يطلب فيه “إلغاء الطائفية السياسية” ونقطة على السطر!!
وفي حين يتنافس الدائرون في فلك رئيس مجلس النواب من نواب وإعلاميين في الترويج لهذا الإقتراح، وتبيان “تقدميته” وتوافقه مع ما نص عليه “إتفاق الطائف”، برز موقف صاعق معارض له أعلنه النائب جورج عدوان، نائب رئيس حزب “القوات اللبنانية” فحواه أنّ الإقتراح محاولة غير بريئة لجعل مصير ٣٩ نائباً مسيحياً رهن إرادة “الثنائي الشيعي” بعدما “حرر” معظمهم القانون الإنتخابي النافذ.
لست متديّناً، مع انّني أحمل هوية تصنّفني مسيحياً مارونياً، ومن دعاة العلمنة الشاملة الكاملة الأوصاف والمفاعيل. وقد كتبت مرات عدة أطالب بتحرير اللبنانيين من قيود الدين وفساد الطائفية والطائفيين، و وضع حدٍ نهائي لتدخّل رجال الدين في السياسة لأنها ليست من إختصاصهم، وهم الذين يقاومون، بل يرفضون، تدخّل السياسيين في “إختصاصهم” الديني. وقد رفضت سابقاً، وأرفض اليوم، وسأرفض مستقبلاً، أي محاولة لإبدال “شعبان إلغاء الطائفية بالمطلق برمضان إلغاء الطائفية السياسية” كما هو هدف إقتراح القانون المقدّم من علي حسن خليل نيابةً عن رئيس كتلته النيابية رئيس مجلس النواب نبيه بري.
تُرفض العلمنة لأسباب دينية وموانع عقدية؟ مفهوم. فلتنتخب إذن كل طائفة نوابها فيصبح الصراع داخل الطوائف نفسها، كما هو الحال عند المسيحيين، فتزول رغبة الهيمنة على الغير المختلف ديناً وطائفة ويتحوّل مجلس النواب ممثلاً حقيقياً للتنوّع اللبناني، وتنشأ فيه التكتلات السياسية العابرة للدين والطائفة. أما أن يسمّي الدستور النائب ب “نائب الأمة” يعني الأمة اللبنانية، بينما هو بالفعل، نائب الطائفة “فمش راكبة”.
سيرفض الطوباويون هذا الطرح وسيطلقون العنان لأقلامهم وحناجرهم بالصراخ والنواح على العيش المشترك والوحدة الوطنية، والإتهام بالطائفية والتقوقع، وقد يشطح بعضهم إلى “العمالة” وما أدراك ماذا يخفي هذا الإتهام من.. ومن.. ومن.. إلخ. لا يهم. خبرتي في الشأن العام اللبناني، العمرها أكثر من خمسٍ وسبعين سنة جعلتني مؤمناً بأنّ غلاة مهاجمي الطائفية هم أكثر خلق الله طائفية، وأنّ أهالي المناطق ذات الدين الواحد أو الطائفة الطاغية عدداً، كانوا رواداً في إكتشاف القيادات السياسية المعتدلة.
خذوا أمثلة: متى كان نواب صور وبنت جبيل والنبطية والهرمل متعصّبين أو متطرّفين دينياً وطائفياً؟؟ ومتى كان نواب زغرتا وكسروان وجبيل وجزين والمتنين الجنوبي والشمالي من ديوك الصياح الطائفي؟ وهذا ما ينطبق على نواب الشوف وطرابلس وصيدا وعكار والعاصمة الحبيبة بيروت…
عندما كان اللبناني يمارس لبنانيته، كانت بلابل الإعتدال تغرّد في ربوعه، وعندما وقع الناس ضحايا الإنغلاق الفكري وتقولبوا في قوالب إحتكار الله والمعرفة وفروض الطاعة دون نقاش، هرول لبنان الوطن إلى الجحيم الذي يُشوى بناره.
لذلك يتمسك المسيحي اليوم، بالطائفية السياسية كونها، أفضل الشرين، ما دام هناك رفض غير مسيحي لإلغاء الطائفية بالمطلق.