
تتسم مقال د. أحمد عياش بجلد الذات الذي يعكس حالة من التردد والارتباك الفكري حيال المواقف السياسية في لبنان، إذ يظهر كاتبه في حالة من التأمل العميق والتساؤل حول التناقضات التي تملأ الساحة السياسية اللبنانية. ويعكس المقال الحيرة بين تخوين بعض الزعماء وتقديس آخرين، مما يجعله مادة خصبة للنقاش.
1. جلد الذات والتأمل في الواقع اللبناني
د. عياش، يقدم آراءه القوية والناقدة للممارسات السياسية في لبنان، يعكس في مقاله شعورًا بالخذلان والشكوك حول النظام السياسي الحالي. مع انتشار الفساد، وتفاقم الطائفية، وتفكك المؤسسات، تبدو فكرة “جلد الذات” واضحة في مقالته حيث يشعر أن الوطن يتخبط في دائرة مغلقة من التورط في السياسات الفاشلة. هذا الجلد ليس مجرد تعبير عن القلق أو الاستياء، بل هو نوع من التساؤل الوجودي حول مستقبل لبنان، وهو يتساءل عن كيفية الخروج من المأزق الذي أسهمت فيه الطبقة السياسية الحاكمة.
2. التخوين والتقديس: تناقضات في المواقف
أحد المحاور الرئيسية التي يتطرق لها د. عياش هو التناقض بين التخوين لبعض الزعماء والتقديس لآخرين. في لبنان، كما هو الحال في العديد من الدول العربية، يختلط الخطاب السياسي بالدين والطائفة، مما يزيد من تعقيد الأمور. فالبعض يرى في بعض الزعماء رموزًا وطنية لا يمكن المساس بها، في حين أن آخرين يعتبرون هؤلاء الزعماء مسؤولين عن الأزمات التي تعصف بالبلاد. هذه الثنائية بين التخوين والتقديس هي محرك أساسي للصراعات السياسية في لبنان.
تخوين الزعماء: في مقالته، يتحدث د. عياش عن مدى تأثير بعض الزعماء على الشعب اللبناني، وكيف أن بعضهم قد أضر بمصلحة البلاد أو دفعها إلى الحرب والانقسام. في المقابل، يُتهم آخرون بإفشال كل محاولات الإصلاح.
تقديس القادة: من جهة أخرى، يتحدث عن تقديس بعض الشخصيات السياسية من قبل جمهورهم، حتى وإن كانت ممارساتهم قد أدت إلى انهيار الدولة. هذه الهالة التي تُحيط ببعض القادة تجلب تساؤلات حول ما إذا كان هذا التقديس نابعًا من حب وطني حقيقي أم أنه شكل من أشكال الطائفية التي تجعل أي نقد غير ممكن.
3 .الحيرة والتردد في التقييم
د. عياش يبدو في حيرة بين هذين الاتجاهين: التخوين والتقديس، وهذه الحيرة لا تقتصر على لبنان فقط بل تعكس ظاهرة شائعة في دول ذات تركيبة طائفية معقدة. في هذا السياق، يبرز التردد في تقييم الأشخاص السياسيين، خصوصاً حينما تكون المواقف السياسية محكومة بمنظور طائفي. فهذا التردد ليس فقط في التعامل مع الشخصيات السياسية، بل أيضًا في تقييم النوايا وراء أفعالهم.
4. الأزمات التي تخلق هذه الحيرة
يعود جزء كبير من الحيرة التي يشعر بها د. عياش إلى التحديات المستمرة التي يواجهها لبنان على الصعيدين الداخلي والخارجي. الأزمات الاقتصادية، تدهور العملة، انهيار النظام المصرفي، والصراعات الإقليمية تجعل من الصعب الفصل بين المسؤوليات السياسية والأيديولوجية التي تلتزم بها الطبقات الحاكمة. يبدو أن لبنان يعيش في حالة من التوتر الدائم بين أيديولوجيات مختلفة، حيث يكون أي تحليل سياسي موضوعًا للمساومة.
5. البحث عن الحلول: المواقف الجادة والتغيير الحقيقي
ما يعكسه مقال د. عياش في النهاية هو الدعوة إلى ضرورة إعادة التفكير في الخيارات السياسية في لبنان. هل يجب على اللبنانيين قبول الواقع كما هو، أم أنهم بحاجة إلى خطوة جادة نحو التغيير؟ وهل ستستمر المواقف الطائفية في تشكيل الساحة السياسية، أم أن هناك إمكانية لإيجاد حلول شاملة لا تأخذ بالاعتبار إلا المصلحة الوطنية؟
إن الحيرة التي يعبر عنها د. عياش تفتح الباب أمام ضرورة محاسبة الجميع، بما في ذلك القادة الذين تضرروا من السياسات التي انتهجت طيلة السنوات الماضية. على اللبنانيين اليوم أن يطرحوا أسئلة حول ممارسات السياسيين وينظروا إلى المستقبل بعين ناقدة، بعيدًا عن تقديس الشخصيات أو تكفيرها.
خاتمة:
مقال د. أحمد عياش هو انعكاس لواقع لبناني معقد ،ويطرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالتوجهات السياسية في البلاد. إن جلد الذات والحيرة بين التخوين والتقديس ليست مجرد حالة فردية، بل هي تمثل انعكاسًا لواقع سياسي مأزوم ،لا يستطيع فيه المواطن اللبناني اتخاذ موقف ثابت من قادته. هذا التذبذب بين التشكيك والتقديس قد يكون في النهاية دعوة للتفكير النقدي المتوازن ،بعيدًا عن المواقف الطائفية والتحزب السياسي.