السبت، 7 مارس 2026
محافظة بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

"روج آفا بين قدرين"

تنشر الشراع هذا الرأي للكاتب د صلاح ابو شقرا محتفظة بحق الرد المتوقع من قيادات ومثقفين من سورية وبلاد عربية اخرى 

تستقبل  “روج آفا”[1]  عيد  النوروز هذه  السنة  و هي  منتظرة  من  “القدر الجديد”  الآتي  من  غياهب  التاريخ ، و المثقل  بآلام  نصف  قرن  من  حكم  “القدر القديم” ، أن  ينظر  بعقلانية  و حكمة  استثنائية  لمعالجة  قضايا  الوطن  السوري  الجريح ، المقطع  الأوصال، الأشبه  بالرجل  المريض ، و الذي  تنتظره  العثمانية  الجديدة  لتفترس  حلبه  الشهباء ، و “إسرائيل” لتتصل  بفراته  عبر “ممر داود” ، الذي  يحتم  قضم  المحافظات  الجنوبية، السويداء ، درعا ، و القنيطرة ، و ذلك  بعد  سيطرتهم  على  المنطقة  المنزوعة  السلاح ، و احتلالهم  للقرى  و المرتفعات  السورية  لجبل  الشيخ .

 

إذن  ذلك  “القدر القديم” ، الذي  شكل  واحداً  من  الأنظمة  الكلية ، ذات  الأيديولوجيا  الراديكالية  الشائعة  في  زمنه ، و التي  كانت  تظهر الوجه  العلماني – التقدمي ، و تبطن  الطائفية – العائلية ، التي  استولت  على  مقدرات  البلاد ، و ليس  هنا  المكان  المناسب  لتقييمها ، و لكن  لسرد  الواقع  الكردي  في  الشمال ، و الشمال  الشرقي ، من  محافظة  الحسكة ، و مناطقها ، إلى  كوباني ، ثم  عفرين ، وصولاً  إلى  أحياء  تل  مقصود  و الأشرفية  في  مدينة  حلب ، حيث  كان  من  المتعذر معرفة  إن  كان  الكثير من الكرد  في  تلك  المناطق  هم  مواطنون  سوريون ، أم  رعايا  لدول  أخرى ، أم  مكتومي  القيد ، أم  أنهم  في  وضع  “جنسية  قيد  الدرس” . فقد  بدأ  مسلسل  القهر بحقهم  مع  تسلم  “البعثيين”  للسلطة  سنة  1962 ، عندما  تم  تجريد  نحو مائتي  ألف  مواطن  كردي  من جنسياتهم  السورية ، و تسجيلهم  بصفتهم  أجانب . ثم  تجريد  نحو ثمانين  ألفاً  آخرين  من  جنسياتهم ، مما  أوجد  حالة  قيد  جديدة  و هي  مكتومي  القيد . و لم  تكن  هذه  “إنجازات” القدر القديم  بحق  الكرد  فحسب ، بل  بلغت  سياسة  التعريب  حد  تغيير أسماء  المدن  و البلدات  و القرى  الكردية  إلى  العربية ، على  سبيل  المثال  لا الحصر، قامشلو إلى القامشلي ، كوباني  إلى  عين  عرب ، إفرين  إلى  عفرين ، تل  كوجر إلى  اليعربية، ديريك  إلى  المالكية ، و تربسبييه[2]  إلى  القحطانية ، فضلاً  عن  العديد  من  البلدات  و القرى  الأخرى . هذا  إلى  جانب  منع  الإصدارات  باللغة  الكردية ، عدا  عن  منعهم  من  تسجيل  أسماء  المولودين  الجدد  بأسماء كردية ، بل  فرضوا  عليهم  الأسماء العربية . أما  الإجراءات  التي  لم  تقل  خطراً  على  الكرد  في  سوريا  هي  سياسة  الحزام  العربي ، الذي  اعتمد  في  بداية  السبعينات ، و الذي  امتد  على  مسافة  375  كلم  على  طول  الحدود  السورية – التركية ، و بعمق  يتراوح  بين  10  و 15 كلم ، و قد  أدى  إلى  تهجير ما  قدرته  بعض  المصادر بنحو مائة  و عشرين  ألف  مواطناً  كردياً  من نحو 332 بلدة  و قرية  واقعة  ضمنه ، و إحلال  العشائر العربية  مكانهم .

و في  السياق  عينه ، لم  تقتصر معاناة  الكرد  على  ما  تقدم ، بل  لقد  تعمد  ذلك  “القدر القديم” على  الإيقاع  بينهم  و بين  جيرانهم  من  العشائر العربية  على  قاعدة  “فرق  تسد” ، و التي  بلغت  حد  النزاع  الدموي  سنة  2004  في  أعقاب  مباراة  في  كرة القدم  بين  ناديي  الجهاد  من  مدينة  قامشلو و الفتوة  من  مدينة  دير الزور، و قد  أشعل  تحامل  السلطات  على  الكرد آنئذ  إنتفاضة  قامشلو، و التي  قمعت  بوحشية  فائقة .

أما  بالنسبة  للقدر الجديد ، فتواجهه  الكثير من  الأزمات  الجيوبوليتيكية ، و المطامع  الإقليمية ، فإن  انبرى  لمواجهة  كل  منها  بمسؤولية ، بالإستفادة  التامة  من  خبرات  كل  الحقبات  السالفة  الذكر، يكون  قد  بدأ  ببناء  دولة  عصرية  قائمة  على  العلمانية  و اللامركزية  الموسعة ، و ذلك  ابتداءً  من  الشمال ، عبر الإعتراف  بالحقوق  الثقافية  و الاجتماعية  و السياسية  للكرد ، و من  خلال  تعميم  تجربة  “مجلس  سوريا  الديموقراطية”  على  كل  سوريا ، و هو الإطار الذي  تمكن  من  إدارة  ثلث  الأراضي  السورية ، جامعاً  الإثنيات  و المذاهب  و الطوائف ، المختلفة  من  الكرد ، السريان ، الأشوريين ، الكلدان ، و حتى  التركيبات  العشائرية  العربية ، إضافة  إلى  بعض  التركمان، و هم  يتقاسمون  السلطة  بتفاهم  تام  و عدالة  و ديموقراطية .   

و مع  نهاية  قدر و إطلالة  قدر جديد  تبقى  الدولة  العلمانية  الديموقراطية  اللامركزية  السبيل  الوحيد  لحماية  روج آفا  و سائر المناطق  و المكونات  الإجتماعية  السورية  من  خلال  قطع  الطريق  على  تقسيم  البلاد  إلى  دويلات  إثنية – طائفية  متناحرة ، و تعزيز الثقة  بالحكومة  المركزية  و حماية  البلاد  من  الأطماع  التركية  شمالاً  و الإسرائيلية  جنوباً .   

[1]  روج آفا : منطقة  غرب  كردستان  باللغة  الكردية ، و يستخدمها  الكرد  حالياً  لتعريف  مناطق  الإدارة  الذاتية  لشمال  و شمال  شرق  سوريا .

[2]  مصطلح  كردي يعني  “القبور البيض”  باللغة  العربية .

 

 

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هكذا تنقلب الصور في سيكولوجية الحروب

أحيانًا قد تكون الخسارة مكسبًا، بحسب من هم اللاعبون وما هي أهدافهم. وفي لعبة الحرب كذلك هو الحال. وللتوضيح تكفي حرب غزة أمام أمم الأرض، أو صمود أوكرانيا ثلاث سنوات في حربها مع...

تفكك الأمم.

بعد انهيار الخلافة العثمانية-التركية-الاسلامية-السنية ،برز نجما تيارا القومية العربية والسورية كأمم مستقلة ،إضافة لسطوع نجم الأممية الشيوعية. فكرة الاتحاد الأوروبي ليست فكرة إنشاء...

للخلاص من شيطان العرب وانتقال الماسونية من دبي

يبدو أن الوقت حان لانتقال الماسونية من دبي، إلى موطن آخر بعد أن قام شيطان العرب محمد بن زايد بتخريب الوطن العربي والمجتمعات الإسلامية ، وحانت لحظة التخلص منه بالموت أو الإزاحة ،...

سنموت بعد قليل-1-

الذي يحشد 70الف جندياً منذ اسبوعين، هو الذي يطلق الحرب لا الصابر الصامد تحت النار . الذي يبرر للعدو الاصلي غدره ،يعرف تماما ان العدو الأصيل لم يوقف حربه منذ أربعة عشر شهراً ،...

هل دخل حزب الله الحرب إسنادًا لإيران أم مستندًا عليها؟

تُقرأ السياسة إمّا بعين الجاهل أو الحاقد، أو العبد المطيع. والوحيد الذي يصل إلى الحقيقة هو قارئ السياسة الحر. تأخّر حزب الله في الانخراط في الحرب على الكيان الصهيوني ،فليس سرًّا...

ماذا تعني معادلة صواريخ الليل؟

فجرالاثنين، في 2/3/2026,وبعد يومين على بداية العدوان الأمريكو صهيوني على إيران، انطلقت ستة صواريخ من لبنان باتجاه الكيان. وبعد أخذٍ وردّ، وعلى نحو ساعة، صدر البيان رقم واحد عن...