
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى:
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة} سورة البقرة.
لقد جعل الله تعالى الزكاة من أعظم أمور الإسلام ولا يخفى ما في الزكاة من خيرٍ وحِكمٍ يطول الكلام فيها كما يطول الكلام في شرح أحكامها وقد سبق وتكلمنا عن شىء من أحكام الزكاة وفضلها في مقالاتٍ سابقةٍ فلينظرها من شاء ولكنني أردت من خلال هذا المقال أن أنبَّه على مسائل مهمةٍ فأقول:
المسألة الأولى:
قد يقول بعض الجُهَّال إن رأوا إنسانًا يصلي ولا يُزكِّي أو يُزكِّي ولا يصلي: لا تنفعك الزكاة أو لا تصح ولا تُقبلُ منك ما لم تصل أو لا تُقبل ولا تصح منك الصلاة ما لم تزكِ أو يقولون: الأحسن لك أن لا تخرج الزكاة ما دمت لا تصلي أو لا تصلي ما دمت لا تُخرج الزكاة أو نحو ذلك وهذا كلام فاسدٌ بل هو ضلالٌ مبينٌ لمعارضته قول الله تعالى:{فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره} سورة الزلزلة. قال السيوطي في “الإكليل” “فيها الترغيب بقليل الخير وكثيره والتحذير من قليل الشر وكثيره”
فالخير الذي يعمله المؤمن بنيةٍ خالصةٍ لله تعالى يُثاب عليه وإن عصى كان عليه إثمٌ ويوم القيامة تُوزن أعمال العباد فالمؤمن الذي ترجح حسناته يدخل الجنة بغير حساب والمؤمن الذي ترجح سيآته هو تحت مشيئة الله إن شاء عذّبه ثم أدخله الجنة وإن شاء غفر له وأدخله الجنة بغير عذاب قال تعالى:{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفسٌ شيئًا وإن كان مثقال حبةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين} سورة الأنبياء.
وليس معنى ذلك أنه يجوز الاقتصار على الصلاة دون الزكاة لمن وجبت عليه أو العكس فإن الله تعالى يقول:{وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وما تقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} سورة البقرة. والأجدى بمن زكَّى وترك الصلاة أن يؤمر بالصلاة ويُقرَّ على دفع الزكاة ومثله أن يُؤمر من صلّى بالمحافظة على الصلاة ويُطالب بالزكاة إن قصَّر في إخراجها وقد وجبت عليه ومثله من كان يفعل بعض الواجبات ويتكاسل عن أداء بعضها ويقترف بعض المحرَّمات فلا يُنهى عن الخير الذي يعمله بل يُقرّ عليه ويُنهى عن الشر.
المسألة الثانية:
بلغني عن بعض الشيوخ وقد سأله تاجرٌ جوَّال يبيع البضائع بواسطة “فانٍ” له يتنقل به بين البلدان: هل تجب عليَّ الزكاة وما هو القدر الذي يجب عليَّ إخراجه فكان جواب هذا الشيخ أن قال له: الست في أثناء بيعك تُسامح بعض الناس ببعض المال كأن تقول لهذا سامحتك بما بقي عليك أو تحسم له من ثمن البضاعة التي اشتراها فقال البائع: نعم فأفتاه الشيخ عندئذٍ بأن هذا يقوم مقام الزكاة وهذه فتوى باطلة وأي تاجر يخلو في تجارته من حسمٍ لفلانٍ أو مسامحةٍ ببعض المال لفلان فأيّ التجَّار بزعم هذا الشيخ تجب عليه الزكاة إذًا
والصواب أنه تشترط في الزكاة النية والنية تكون عند الإفراز أي عند عزل المال الذي يريد إخراجه زكاةً عن بقية المال أو عند إعطائه للمستحق فلو أعطى من وجبت عليه الزكاة المال لا بنية الزكاة ثم بدا له أن يجعله زكاة لا يصح ولو كان لإنسانٍ على آخر دينٌ فقال له جعلت هذا الدَّين الذي لي عليك زكاة لم يجزئه لخلوه عن النية
قال العمراني الشافعي في “البيان” “ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية وبه قال عامة الفقهاء” وفيه
“دليلنا: قَوْله تَعَالَى:{وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} سورة البينة. فأخبر أن العبادة لا تصح إلا بالإخلاص والإخلاص إنما هو بالنية والزكاة من العبادات.
ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (متفقٌ عليه) ولأنها عبادة فكان من شرطها النية كالصلاة والصوم والحج”
المسألة الأخيرة:
لا يجوز ولا يصح إعطاء الزكاة لغير الأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى:{ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة.
وقد سبق وتكلمنا في شرح هذه الأصناف بشىء من التفصيل في مقالاتٍ رمضانيةٍ سابقةٍ ولكن يناسب أن أكرر التنبيه على معنى قوله تعالى “وفي سبيل الله” حيث ذهب البعض إلى القول بأنها شاملةٌ لكل عملٍ خيريٍ والحق خلاف ذلك فإن العطف بالواو يفيد المغايرة والله تعالى يقول {للفقراء والمساكين والعاملين عليها} الآية، فدل العطفُ بالواو على أن هذا الصنف غير الذي قبله وهذا الصنف غير الآخر وهكذا، والقول بأن قوله تعالى “وفي سبيل الله” شامل لكل عملٍ خيري هو خلاف ما يقتضيه العطف بالواو فلا يصح، إذ لو كان المراد هكذا فلماذا ذُكرت بقية الأصناف ولم يُكتف بكلمة “في سبيل الله” وكلُّ ذلك في سبيل الله ومعلوم في نصوص القرآن والحديث أن في سبيل الله عند الإطلاق تنصرف إلى الجهاد فيكون المرادُ بذلك الغزاةَ المتطوعون للجهاد في سبيل الله لإعلاء دين الله، ولا تُصرف لفظة “في سبيل الله” لمعنى آخر بغير دليلٍ والنصوص في ذلك كثيرة، فمن حملها على كل عملٍ خيري فقد صرفها عمَّا تقتضيه اللغة لغير دليل. قال القاضي أبو بكر بن العربي في “أحكام القرءان”: “قال مالك: سُبُلُ اللهِ كثيرة ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو”. ومعناه أن الإمام مالكًا نقل الإجماعَ على هذا المعنى. ومثله قال النووي الشافعي في “المجموع” وابن قُدامة الحنبلي في “المُغني” والزبيدي الحنفي في “تاج العروس” وغيرهم. وليُعلم أن الجهاد في سبيل الله ليس الحروب العبثية التي شنَّها ويشنها أدعياء الإسلام باسم الإسلام في عدة أقطارٍ اليوم فيُكفِّرون الناسَ بغير حقٍ ويذبحون ويحرقون ويَسْبُون النساء ويأكلون الأموال بالباطل. فإن كل ما يجري في هذا السبيل في هذا العصر هو عدوان على الإسلام قبل أن يكون عدوانًا على أيٍّ كان.
وإذا ما عُلم هذا فإننا ننصح مريد إخراج الزكاة بتحرّي الصوابَ لتقع زكاته موقع القبول فإن السلامة في الدين لا يعدلها شىء.
والحمد لله أولًا وآخرًا