
عندما قرعت طبول الحرب على العراق استشعر رئيس حزب الكتائب في تلك الفترة المحامي كريم بقرادوني الخطر الكبير على المنطقة العربية عموما ولبنان خصوصا ومسيحيي الشرق على وجه التحديد. وقد صارح المكتب السياسي في الحزب بمخاوفه هذه، وقال انه” علينا التحرك لجبه اخطار أراها وافدة وستكون لها تداعيات يصعب حصرها وضبطها” واضاف انه سيقوم بجولة على القيادات الروحية المسيحية ، ومن بعد الاسلامية للمباحث في الاحتمالات التي يمكن أن تنشأ اذا ما نشبت الحرب على بلاد الرافدين، لاسيما إذا تمكن التحالف الاميركي- البريطاني من إسقاط الرئيس صدام حسين وحزب البعث، لأن العراق سيكون فريسة المجهول والفوضى وأن مسيحييه هم أول من سيدفع الثمن.وفي الحقيقة قام بقرادوني بجولة على رؤساء الطوائف المسيحية وافضى لهم بمخاوفهم، لكن للأسف لم يملك هؤلاء سوى مشاطرته رأيه من دون أن يبدوا حماسة لأي عمل جماعي يقومون به لدى المرجعيات الدولية ومراكز القرار في العالم . وكنت قد وضعت رئيس حزب الكتائب في جو المعلومات التي زودني بها أياد علاوي احد اكبر معارضي نظام صدام والقريب من دوائر القرار في كل من واشنطن ولندن ودولة الإمارات العربية، وهي أن القوات الاميركية ستنفذ غزوا ضد العراق، ولن يبقى هناك” لا ابو عدي، ولا بعث..”. بقرادوني وجد في كلام علاوي مبالغة، لكنه اخذ كلامه على محمل الجد. وكان قربي من المعارض العراقي الذي أصبح رئيسا للحكومة، ومن ثم رئيسا لأكبر كتلة نيابية ومجموعة وزارية، وعملي مستشارا إعلاميا له في لبنان الذي كان دائم التردد عليه لفترة ، يخولني أن استقي معلومات دقيقة منه. وقد سارع رئيس الكتائب إلى تنظيم لقاء روحي للصلاة من أجل السلام في العراق دعا اليه رؤساء الطوائف المسيحية الذين لبوا شخصيا او عبر موفدين لهم ، وصلوا معا بحرارة من أجل أبعاد شبح الحرب عن هذا البلد العربي. وفي الواقع لم تجر ألاضاءة على هذا اللقاء على نحو واسع، وإن كان قد لاقى استحسان الكرسي الرسولي، وهذا ما سمعته شخصيا من السفير البابوي الذي كنت التقيه دوريا في مقر إقامته في حريصا. ولما كنت أحضر بصورة دورية إجتماعات المكتب الدائم لاتحاد الصحافيين العرب في القاهرة،ضمن وفد نقابة محرري الصحافة اللبنانية، إستأذنت بقرادوني بالسفر،فطلب مني مقابلة الانبا شنوده، بابا الاقباط وطرح فكرة الدعوة إلى عقد قمة روحية للطوائف المسيحية الشرقية يكون هو زمبركها ومحركها. ولما كنت لا أعرف البابا شنوده ولم التق به سابقا، طلبت من رئيس حزب الكتائب أن يزودني بكتاب تكليف منه ويعلن فيه ما يريد إعلانه، ليكون مادة بحث، على أن أعود بالجواب فور انتهاء اجتماع المكتب الدائم. ولدى وصولي إلى القاهرة حاولت الاتصال بالكرازة المرقسية في شارع العباسية لطلب موعد مع قداسته، لكني لم اوفق وأحلت من ” قمص” إلى آخر، من دون احظى بمرادي. واستعنت بالصحافية المصرية ماجدة برصوم، مراسلة ” الحوادث” لكي تتدبر لي موعدا ، فقامت بالمطلوب وتقرر اللقاء، وعندما توجهت إلى ” الكرازة” استقبلني سكرتير البابا واعتذر مني بلطف مدعيا بأن قداسته كان في دير ” النطرون” وتأخر في العودة وسيتعين علي أن انتظر طويلا وكان الظلام بدأ يخيم ويلقي ظلاله،ونصحني بمعاودة الاتصال في الغد. وعدت ادراجي إلى الفندق حزينا ومحبطا، ولاحظ ألامين العام لاتحاد الصحافيين العرب الصحافي الكبير صلاح الدين حافظ، وهو صديق لي، علامات الانزعاج والغضب التي ارتسمت على محياي، ولما استفسر عن السبب ضحك، وربت على كتفي مطمئنا: ” لا عليك ولا داعي للاتصال غدا . البابا سيكون غدا ضيف الاتحاد على العشاء الكبير الذي سيقيمه على شرف الوفود النقابية المشاركة، وساجلسك على طاولته وعن يمينه، ولك أن تحدثه بما تشاء، لكن الفتك إلى محاذرة أن تكون لجوجا عندما تطلب منه شيئا، أورد ما تريد قوله فقط واترك له أن يجيب او لا يجيب من دون تعليق. لأنه برم باللجوجين .واضاف صلاح ضاحكا : اعرف انك عجول ولجوج، فارجو الانتباه”. وفي الموعد المحدد في اليوم التالي وصل البابا شنوده إلى مدخل الفندق، فتهافت موظفو الاستقبال، والندل للسلام عليه والدعاء له، وكان الاقباط من بينهم يجثون ويمسكون بيده يقبلونها، ويمسحون اذيال ثوبه باكفهم ويرسمون شارة الصليب، كذلك كان شأن الركاب. وقد خف إلى استقباله رئيس الاتحاد العام للصحافيين العرب، رئيس مجلس إدارة جريدة ” الاهرام”، مديرها العام، ورئيس تحريرها الاستاذ إبراهيم نافع،والامين العام للاتحاد، رئيس تحرير الاهرام الدولي والعربي صلاح حافظ، وقدمني الاخير إلى قداسته، ورافقه إلى الطاولة ألتي خصصت له، وبر بوعده فاجلسني لا على يمينه بل على يساره، واذكر اني اعربت له عن سروري الكبير بلقائه واعتبر أن هذه المناسبة هي من أجمل المناسبات التي شهدتها في حياتي، معربا عن إعجابي بشخصيته ومواقفه الصلبة والشجاعة، وخصوصا بثباته في وجه الظلم الذي الحقه به الرئيس أنور السادات. واضفت باني توجهت البارحة إلى ” الكرازة المرقسية” وكلي شوق للقائه ، لكن الحظ لم يسعفني، لاني كنت أود أن اسلمه رسالة من رئيس حزب الكتائب اللبنانية، وهو اقدم الاحزاب المسيحية واعرقها في لبنان والعالم العربي في شأن قيام عمل مشترك بين الطوائف المسيحية الشرقية في مواجهة حرب العراق المنتظرة وما ستخلفه من تداعيات بالغة الخطورة على المسيحيين في الشرق قاطبة وتحديدا الدول العربية. ثم سلمته رسالة بقرادوني. بادرني البابا شنوده بكلمات لطيفة مرحبا بي ، ومعتذرا عن تعذر اللقاء معه في ” الكرازة” لأنه تأخر فعلا في” وادي النطرون” إلى ساعة متأخرة من الليل”.ثم فض غلاف الرسالة لتوه، فقرأها وطواها . وبادرني :” يا ابني انا أعرف أن مخاطر الحرب على العراق كبيرة وأن لها تداعيات، فهناك من “سيطلع” يوما من ليقول انها حرب مسيحية ضد المسلمين، وسيتعين علينا التحرك لدفع مثل هذه الاتهامات، وقد تنشأ أصوليات. وقد تقحم المسيحية في ما لا شأن لها به،ولدينا في الحروب الصليبية التي بدأت في أواخر القرن الحادي عشر ميلادي، اسطع مثال، فما علاقة الصليب بالحملة التي جردها الغرب على الشرق، وكيف تكون الحرب حرب الصليب على الهلال ، في حين أن الاطماع توسعية، إقتصادية ، وهدفها التحكم بطريق الحج إلى القدس للافادة من من مردودها المعنوي والمادي، لذلك نحن الاقباط نطلق عليها حرب الفرنجة. فما أشبه اليوم بالبارحة.”ثم تطلع الي ولمحت في عينيه دمعتين ظلتا حبيستي المحجرين، وقال بعصبية:” سلم لي على استاذ كريم، فهو مفكر وذكي وسياسي متمرس وقل له اني لا أرى فائدة من اي تحرك، لاني اعتقد ان ما كتب قد كتب ولن نستطيع أن نبدل شيئا، والأهم هو أن نستطيع أن نلم ناسنا وأن نبعد عنهم ما أمكن من الاخطار رغم صعوبة ذلك. ولست أرى فائدة في مؤتمر روحي مسيحي او روحي- مدني ، كما ذكر رئيسكم في كتابه. وانا على تشاور دائم مباشر وعبر ممثلي الكرازة في الدول العربية للتداول في الاوضاع، لكن للأسف لن نستطيع أن نفعل شيئا، وإذا حاولنا قد نجذب الانتباه إلينا، وربما تكون هناك ردات فعل ليست في مصلحتنا. علينا ان نصلي لكي يلهم الله المسؤولين في العالم ليضعوا حدا للاهوال التي يتسببون تحت شعار الحرية والديموقراطية.” كان مزاج البابا شنوده تلك الليلة سوداويا، ومعتكرا، ويبدو انه اكتفى بماقاله لي بصوت خفيض، ومن بعد نادرا ما تشارك في الحديث مع الاشخاص الذين ضمتهم الطاولة ومنهم وزراء في حقائب أساسية بالدولة، وبعض الصحافيين المعروفين ، كان مقلا في كلامه، كما في طعامه، وأمائر الحزن بادية عليه. تراه بماذا كان يفكر؟ كان شارد الذهن، يرد على الأسئلة باقتضاب شديد ويكثر من شرب الماء، ونادرا ما كانت تمتد يده إلى الأطباق الموجودة أمامه. وتساءلت في سري هل يساوره قلق عميق مما يجري في المنطقة، ويحاذر الادلاء بموقف يتسبب بانقسامات داخل الجالية القبطية في الولايات المتحدة الاميركية وعدد من البلدان الغربية التي تشجع الحرب على العراق. وتيقنت في هذه الزيارة أن البابا شنوده من أكثر الشخصيات العربية المعارضة لهذه الحرب، والرافضة لها، والمتنبئة بيصير بائس لدول المنطقة في حال حققت الولايات المتحدة الاميركية أهدافها، ولكن في فمه ما هو اكثر من الماء. كان قداسته اول من غادر العشاء ورافقته مع نافع وحافظ إلى مدخل الفندق، وكان وداعه اكثر حرارة من الذي لقيه لدى وصوله اليه. وقبل أن يستقل سيارته صافحني بود وقال:” سلم لي على استاذ كريم والاخوة في لبنان، وعذرا على عدم استقبالك في الكرازة، ولدي ارتباطات كثيرة في هذين اليومين ، ولا متسع للقائك إلا بعد انقضائهما، فإذا ما بقيت في القاهرة اتصل بسكرتيري واحدد لك موعدا على الفور”. لكن للأسف لم أتمكن من تأجيل سفري لعدة ايام رغم محاولتي ذلك، فغادرت أرض الكنانة من دون أن يتسنى لي لقاء هذه القامة الروحية العالمية والعربية ثانية.