السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

أصل التجزئة: اتفاق سايكس ـ بيكو

الكاتب الصحفي الراحل كامل مروة كتب هذا المقال عام 1948، وننشره اليوم كأنه كتب فجراً

 

من أسوأ المساوىء التي ارتكبتها حكومات “الاستقلالات” العربية أنها كتمت عن رعاياها سر نشأتها وكياناتها. فهذه الحدود التي تفصل بين الدويلات العربية لم تكن موجودة منذ ثلاثين سنة، بل اخترعها المستعمر وفقاً لمصلحته. واليوم، عندما تطلب هذه الحكومات فإنما تطلب إليهم الوفاء لتراث الاستعمار!

هذه الحقيقة البشعة التي تمر بها كتب التاريخ المدرسي في بلاد العرب مراً سريعاً، يجب أن يطلع عليها أبناء الجيل الجديد، وأن يتذكرها أبناؤ الجيل السابق لكي يفهموا أسباب الاضطراب الكامن في كل دولة عربية، ولكي يسجلوا من خلالها غوامض السياسات الأجنبية في بلاد العرب، وهي ـ في الواقع ـ تكملة لما بدأ في الحرب العظمى.

في سبيل هذه الغاية، تخصص “الحياة” اليوم مقال الأسبوع لاتفاق “سايكس ـ بيكو” الذي قامت على أسسه تجزئة العالم العربي.

 

لما وقعت الحرب العظمى سنة 1914، كان العالم العربي داخلاً في الأمبراطورية العثمانية. وكان مقسماً تقسيماً إدارياً يختلف عن التجزئى التي قررها الإنكليز والفرنسيون فيما بعد، ويمكن إيجازها كما يلي:

1 ـ ولاية حلب، وكانت تضم شمال سوريا والإسكندرية والأجزاء العربية من جنوب تركيا حتى أورفة.

2 ـ ولاية سوريا، وكانت تمتد من حماة على محاذات جبال العلويين وجبال لبنان ونهر الأردن حتى العقبة على البحر الأحمر، فتضم القسم الجنوبي من سوريا والقسم المعروف اليوم بشرق الأردن.

3 ـ ولاية بيروت، وكانت تضم جبال العلويين والقسم المعروف اليوم بجنوب لبنان وشمال فلسطين بما فيها نابلس حتى يافا وفي وسط الولاية كان يقوم سنجق جبل لبنان المستقل باستثناء بيروت التابعة للولاية.

4 ـ سنجق القدس، وكان يضم القسم الجنوبي من فلسطين، من يافا حتى مصر.

أما في العراق فكانت ولايات الموصل وبغداد والبصرة. وأما الجزيرة العربية فكانت خاضعة لحكم عشائري تحت إشراف الأتراك، وكانت إمارة الأشراف في مكة أبرز سلطة سائدة.

هذه الولايات والسناجق والإمارات كلها كانت معروفة ببلاد العرب، لا حدود بينها ولا سدود، حتى وقعت الحرب العظمى.

 

ما إن دخلت تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا سنة 1915، اتصل الإنكليز بالشريف حسين في مكة، ودعوه إلى الانتقاض على الأتراك والانضمام إلى الحلفاء.

وتبادل على الأثر الشريف حسين تلك الرسائل التاريخية مع السر هنري مكماهون، المعتمد البريطاني يومئذٍ في مصر. وقد طلب الشريف في رسالته المؤرخة في 14 تموز سنة 1915 أن يوافق الإنكليز على الاقتراح التالي:

“إن إنكلترا تعترف باستقلال البلاد العربية من مرسين ـ أدنة، حتى الخليج الفارسي شمالاً، ومن بلاد فارس (إيران) حتى خليج البصرة شرقاً. ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوباً (باستثناء عدن التي تبقى  كما هي) ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سينا غرباً”.

فأجاب مكماهون في 30 آب 1915 طالباً تأجيل البحث في الحدود إلى إشعار آخر. ولكن الشريف أجابه في 9 آب، رافضاً دخول الحرب قبل الاتفاق على الحدود. فردّ عليه مكماهون في 24 تشرين الأول بكتاب يقول فيه إن الحكومة البريطانية تطلب استثناء بعض المناطق من الحدود التي عيّنها الشريف كما يلي:

1 ـ لما كانت مقاطعات مرسين والإسكندرونة وبعض أجزاء سورية الواقعة إلى الغرب من مقاطعات دمشق وحمص وحماه وحلب “لا يمكن تسميتها عربية محضة، فإنه يقتضي إخراجها من الحدود التي بينتموها. وإنه بمقتضى هذا التعديل ـ ومن غير إخلال بمعاهداتنا السابقة مع بعض زعماء العرب ـ نقبل الحدود على ما ذكرتموه”.

2 ـ تطلب بريطانيا شكلاً إدارياً خاصاً بـإشرافها لولايتي البصرة وبغداد.

فأجاب الشريف في 5 تشرين الثاني 1915 بما يلي:

1 ـ تنازل عن ضم مرسين وأدنة إلى المملكة العربية. “أما قضية حلب وبيروت وسواحلهما فهي عربية صرف، وليس من فرق بين المسلم العربي والمسيحي العربي، فكلاهما من نسل واحد”.

2 ـ وافق على أن يترك لمدة قصيرة الأراضي التي تحتلها الجيوش البريطانية في العراق تحت إدارة إنكلترا، لقاء مبلغ من المال يدفع كتعويض عن مدة احتلال هذه المنطقة.

وأجاب مكماهون في 13 كانون الأول بما يلي:

1 ـ أعرب عن ارتياحه لاستثناء أدنه ومرسين من المملكة العربية.

2 ـ أجل الجواب في صدد الأراضي الواقعة غرب ولايتي حلب وبيروت، ريثما يتم التفاهم مع فرنسا عليها.

وختم رسالته بقوله: “إن حكومة بريطانيا قد فوضت إلى أن أبلغ دولتكم أن تكونوا على ثقة من أن بريطانيا العظمى لا تنوي إبرام أي صلح إلاّ إذا كان من ضمن شروطه الأساسية حرية الشعوب العربية”.

بهذه الرسالة، انتهى البحث في أمر الحدود، ويكون الإنكليز قد وافقوا على مطالب الشريف، إلاّ في ما يتعلق بمرسين وأدنه، و”الإدارة الخاصة” للعراق، وجبل العلويين وجبل لبنان (راجع الخريطة).

 

قبل أن يجف حبر الوعود المقطوعة للشريف حسين، أخذت وزارة الخارجية البريطانية تنظر إلى القضية العربية نظرة مختلفة. ففي كانون الأول 1915 انتهت معركة غاليبولي في المضايق التركية بانسحاب الإنكليز نهائياً بعد خسائر هائلة. وفي نيسان 1916 أصيب الجيش البريطاني بهزيمة ساحقة في كوت العمارة في العراق.

هاتان الهزيمتان في الشرق الأدنى جعلتا إنكلترا تطلب المزيد من معونة روسيا وفرنسا، فرفضت هاتان الدولتان تلبية طلبها قبل الاتفاق على اقتسام الغنائم وتوزيع ميراث “الرجل المريض، أي الامبراطورية العثمانية.

هكذا بدأت  في شباط 1916 مباحثات ومفاوضات بين ممثلي إنكلترا وفرنسا وروسيا، أسفرت عن توقيع معاهدة بطرسبرغ (ليننغراد اليوم) في 4 آذار 1916. وهذا نص المواد الخاصة منها بالحدود:

المادة الأولى ـ تتعهد فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا فيما بينها أن تعمل يداً واحدة في سبيل إنقاذ البلاد العربية، وحمايتها وتأليف حكومة إسلاميى مستقلة، تتولى بريطانيا مراقبتها وإدارتها.

المادة الثانية ـ تتعهد الدول المتعاقدة بحماية الحج وتسهيل سائر السبل المؤدية إلى مرور الحجاج وعدم الاقتداء عليهم.

المادة الثالثة: ـ  تقسم البلاد العثمانية إلى مناطق نفوذ بين الدول المتعاقدة على الوجه التالي:

منطقة نفوذ روسيا

أولاً ـ تضم إلى روسيا المناطق التالية:

أ ـ ولايتا أرضروم وبتنليس والمنانطق التابعة لهما.

ب ـ الأراضي الكائنة جنوبي كردستان ، وتمتد على خط من ولاية مرش إلى سعرد، ومن هناك تنحدر إلى جزيرة ابن عمر، لم تتبع خطاً مستقيماً إلى العمادية، ومنها إلى الحدود الإيرانية.

ج ـ تتجه نقطة الحدود هذه من موش شمالاً إلى البحر الأسود فتدخل طربزون في سمتها.

د ـ تنتهي نقطة حدود روسيا على البحر الأسود شرقي طرابزون في منطقة تحدد فيما بعد.

هـ ـ تخضع هذه الأراضي خضوعاً تاماً إلى حكومة صاحب الجلالة قيصر روسيا وتعتبر من ممتلكاته.

منطقة نف ذوذ فرنسا

ثانياً ـ تضم إلى منطقة نفوق فرنسا المناطق التالية:

أ ـ السواحل السورية، وتبدأ هذه السواحل من حدود الناقورة مارة بصور وصيدا فبيروت فطرابلس واللاذقية، وتنهتي إلى الإسكندرونة.

ب ـ نضم المناطق الساحلية جميعها إلى فرنسا، مع الجبل اللبناني المعروفة حدوده بموجب الاتفاق الدولي.

ج ـ تضم جزيرة أرواد والمناطق المجاورة لها والجزر الصغيرة القائمة على الساحل المعرف عنه في الفقرة السابقة.

د ـ تضم ولاية كليكيا إلى النفوذ الفرنسي وتبدأ حدود هذا الخط من جهة الجنوب من الحدود الخاضعة إلى النفوذ الروسي في جزيرة ابن عمر لم تنحدر شمالاً من الاطاغ ـ قيصر رزاق طاغ ـ يلديز طاغ ـ زرعه ـ أكين ـ خربوط.

هـ ـ تظل هذه المنطقة خاضعة تمام الخضوع للنفوذ الفرنسي.

منطقة نفوذ بريطانيا

ثالثاً ـ تؤلف منطقة النفوذ البريطاني من المناطق التالية:

1 ـ تضم المنطقة الممتدة من الحدود الروسية وإفرنسية في الخطين المذكورين إلى النفوذ البريطاني، وهذه المنطقة تضم القطر العراقي مع مدينة بغداد.

ب ـ السواحل الممتدة من الحدود الروسية  والمصرية إلى حيفا فعكا حيث تتصل بحدود نفوذ فرنسا.

ج ـ تضم المنطقة الممتدة  من خليج فارس إلى آخر بحر الأحمر إلى نفوذ بريطانيا إلى نفوذ بريطانيا المطلق.

د ـ تؤلف الحكومات العربية، عملاً بالمادة الآتية. من سكان المناطق المسكونة بالعرب على أن تكون هذه الحكومات حائرة على السيادة، والاستقلال اللازم لها والذي يعين فيما بعد الاتفاق بين الحكومات المتحالفة.

المادة الرابعة ـ تتألف في المنطقة الكائنة بين منطقتي النفوذ الفرنساوي والبريطاني دولة أو حلف دول عربية مستقلة وفقاً لاتفاق خاص بين فرنسا وإنكلترا، على أن تحدد حدود هذه الدولة حين عقد هذا الاتفاق

المادة الخامسة ـ يكون ميناء إسكندرونة دولياً وتعلن حريته.

المادة السادسة ـ تعتبر فلسطين وأماكنها المقدسة منطقة خارجة عن الأراضي التركية على أن توضع تحت إدارة خاصة وفقاً لاتفاق يعقد بين إنكلترا وفرنسا وروسيا بهذا الشأن وتحدد مناطق نفوذ المتعاهدين ومصالحهم.

 

جاءت معاهدة بطرسبورغ تناقض عهود مكماهون مناقضة صريحة، ولكن الإنكليز أخفوا نبأ هذه المعاهدة عن الشريف، كما أخفوا عن الفرنسيين نبأ تلك العهود، فلم يسمع بها كليمنصو رسمياً إلى في مؤتمر الصلح سنى 1919!

وبينما كانت المفاوضات دائرة لعقد معاهدة بطرسبورغ، اتفق الإنكليز والفرنسيون على إجراء مفاوضات أخرى فيما بينهم لاقتسام مناطق النفوذ بصورة مفصلة في الحصة التي تخصصها لهم معاهدة بطرسبورغ.

وعلى هذا أوفدت الحكومة الفرنسية إلى مصر في 9 شباط 1915 السيد جورج بيكو، قنصلها السابق في بيروت، حيث اجتمع إلى الموفد البريطاني السر مارك سايكس، فتفاوضا على اقتسام مناطق النفوذ، ووقعا في 16 أيار 1916 الاتفاق المعروف باسميهما، والذي قامت على أساسه حدود الدول العربية بعد الحرب، وهو الحدود التي أصبحت اليوم مقدسة!

وما لبث الطليان أن علموا بمعاهدة بطرسبورغ، فقامت قيامتهم، واحتجوا إلى فرنسا وإنكلترا طالبين حقهم من الميراث العثماني. وعلى الأثر جرت مفاوضات أدت إلى توقيع ملحق “سونينو” في شباط 1917، وبموجبه اعترف الحلفاء لإيطاليا بحقها في احتلال جنوب غرب الأناضول, وبـإشراكها في الإدارة الدولية لفلسطين.

 

ظل اتفاق سايكس وبيكو ـ كمعاهدة بطرسبورغ ـ مكتوماً عن العرب، حتى وقعت الثورة البلشفية في روسيا، فأذاع البلاشفة نصه في جملة الوثائق القيصرية السرية التي أذاعوها. وعندئذٍ أرسل جمال باشا الصغير النص إلى الشريف حسين ضمن رسالة موجهة إلى الأمير فيصل وأخرى إلى جعفر العسكري قائد القوى العربية الشمالية، في 26 تشرين الثاني 1917، يدعو فيهما إلى عقد صلح بين العرب والعثمانيين، بعد افتضاح خيانة الإنكليز.

ورفض الحسين هذا العرض، واتصل بالإنكليز مستفسراً عن اتفاق سايكس وبيكو، فأجابوه في 8 شباط 1918 بنفي قاطع، متهمين جمالاً بالدس والنفاق!

وكأن تلك الاتفاقات المتناقضة لم تكن كافية، فارتبط الإنكليز في 2 تشرين الثاني 1917 مع اليهود بوعد بلفور المشهور، الخاص بفلسطين: فلسطين التي تركوها للملك حسين في عهود مكماهون، وجعلوها دولية في اتفاق بطرسبورغ!

 

وننشر في ما يلي نص المواد الخاصة بالحدود من اتفاق سايكس ـ بيكو الأساسي:

المادة الأولى ـ إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا عربية مستقلة أو حلف دول عربية، تحت رئاسة رئيس عربي في داخلية سوريا وداخلية العراق، المبينتين في الخريطة الملحقة بهذا، ويكون لفرنسا في المنطقة الأولى ولإنكلترا في المنطقة الثانية حق الأولية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في المنطقة الأولى وإنكلترا في المنطقة الثانية بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب، بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثانية ـ يباح لفرنسا في شقة سورية الساحلية، ولإنكلترا في شقة العراق الساحلية من بغداد حتى خليج فارس، إنشاء ما ترغبان فيه من شكل الحكم مباشرة أو بالوساطة، أو من المراقبة، بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثالثة ـ تنشأ إدارة دولية  في فلسطين، يعين شكلها بعد استشارة روسيا وبالاتفاق من بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.

المادة الرابعة ـ تنال إنكلترا ما يأتي:

1 ـ ميناء حيفا وعكا.

2 ـ تتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بأن لا تدخل في مفاوضات مع دولة أخرى للتنازل عن قبرص إلاّ بعد موافقة الحكومة الفرنسوية مقدماً.

المادة الخامسة ـ تكون إسكندرية ميناء حراً لتجارة الأمبراطورية البريطانية، وتكون حيفا ميناء حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها.

المادة التاسعة ـ من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسوية لا تجري مفاوضة في أي وقت كان للتنازل عن حقها، ولا تعطى ما لها من الحقوق في المنطقة الزرقاء (أي شقة سوريا الساحلية) لدولة أخرى سوى للدولة العربية أو حلف الدول العربية بدون أن توافق على ذلك سلفاً حكومة جلالة الملك، التي تتعهد للحكومة الفرنسوية بمثل هذا في ما يتعلق بالمنطقة الحمراء (العراق).

المادة العاشرة ـ تتفق الحكومتان الإنكليزية والفرنسية بصفتهما حاميتين للدولة العربية على أن لا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطاراً في شبه جزيرة العرب أو تنشىء قاعدة بحرية في الجزائر على سائر البحر الأبيض الشرقي. على أن هذا لا يمنع تصحيحاًُ في حدود عدن قد يصبح ضرورياً بسبب عداء الترك الأخير.

المادة الحادية عشرة ـ تستمر المفاوضات مع العرب باسم الحكومتين بالطرق السابقة نفسها لتعيين حدود الدولة أو حلف الدول العربية.

 

ما إن انتهت الحرب، حتى شعر الإنكليز بأن اتفاق سايكس ـ بيكو لم يعد في صالحهم، ولا يتفق مع الأحوال التي نشأت في الشرق الأدنى بنهاية الحرب، فقرروا أن يعدلوه.

وشعر الفرنسيون بما يضمره الإنكليز، فسار رئيس الوزارة الفرنسية كليمنصو في كانون الأول سنة 1918 إلى لندن لكي يقنع لويد جورج بتحويل ذلك الاتفاق إلى معاهدة رسمية، قبل أن يصل الرئيس ولسن في أميركا، ويعارض الاتفاق بحجة أنه مناقض للحريات الموعودة، فيتفق رأيه مع مصلحة الإنكليز في إلغاء الاتفاق.

بيد أن لويد جورج رفض اقتراح كليمنصو، وأجابه أن بريطانيا تعتبر الاتفاق ملغى منذ انهارت روسيا، إحدى الدول الموقعة عليه، وانسحبت منه.

وبعد جدل طويل، فهم كليمنصو إن إنكلترا مستعدة لأن تعترف بحق فرنسا في سوريا وكيليكيا، ولكنها تطالب معه بمنطقة دخلت “خطأ” في منطقة النفوذ الفرنسي، وهي منطقة الموصل، كما أنها تطالب بوضع فلسطين بـإشرافها وحدها بدلاً من إشراف الإدارة الدولية.

ورضى الفرنسيون بترك فلسطين كلها للإنكليز، ولكنهم رفضوا التنازل عن الموصل وعرضوا عليهم كيليكيا محلها، فأبى لويد جورج قبولها. وانتهئ الأمر في 15 شباط 1919 بموافقة الفرنسيين على طلب الإنكليز، فتركوا لهم فلسطين، وتركوا  لهم الموصل مقابل جزء من النفط فيها، ومقابل نقل دير الزور من العراق إلى سوريا، وعلى أن يطلق لهم الإنكليز يدهم في سوريا.

في هذه الأثناء كان الأمير فيصل يستعد لتأسيس المملكة العربية في دمشق، وهو يجهل وجود هذه الاتفاقات بين الإنكليز والفرنسيين، معتمداً على الوعود المقطوعة في رسائل مكماهون.

وفي 8 آذار تأسست في سوريا المملكة العربية ضمن الحدود المنصوص عليها. ولكن الإنكليز خذلوه أمام الفرنسيين إكراماً لاتفاق سايكس ـ بيكو المعدل، فاحتل الجنرال غورو سوريا بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920، وبذلك انهارت عهود مكماهون، وارتد الملك الحسين إلى قلب الجزيرة.

وشرع الإنكليز والفرنسيون ينفذون اتفاق سايكس ـ بيكو بالقوة، فاخترعوا ألعوبة الانتدابات، في مؤتمر سان ريمو سنة 1922، وقامت على اساسها حدود العراق وشرق الأردن وسوريا وفلسطين، ونبتت هذه “الاستقلالات”!

هكذا أيها القارىء العربي، ولدت دولتك، وحدودك، وقام التوازن البريطاني ـ الفرنسي، الذي يريدونه اليوم توازناً بين عرب وعرب، وما هو إلاّ صورة طبق الأصل عن ذلك الماضي القريب!

أجل، لقد قامت هاتيك الدويلات في هاتيك الكيانات، وما أن هبت عاصفة إسرائيل، حتى تهاوت أمامها حتى قبل أن تقتحم غمارها.

ولعل سر قيام إسرائيل ونهوضها وبقائها كامن في تعدد هاتيك الكيانات، كان اتفاق سايكس بيكو خطط الوطن القومي اليهودي، حين رسم هاتيك الحديد!

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...