لأول مرة منذ السابع من أكتوبر، رأيت هذا الأسبوع رئيس مصر يبتسم بارتياح. ربما كان يعرف شيئًا لا نعرفه. كان ذلك أول أمس في القاهرة، في اليوم الثالث من المفاوضات في شرم الشيخ. ظهر السيسي أمام الكاميرات وتوجّه عبرها إلى دونالد ترامب:
“ إذا أفضت المفاوضات إلى اتفاق ، إن شاء الله”،
قال، “أدعو الرئيس ترامب للمجيء والتوقيع على
الاتفاق في مصر”.
جملتان تُخفِيان علاقة كاملة: بين السيسي وترامب، وبينه وبين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وستتفاجأون، أيضًا بين السيسي وإلهه. مع القطريين الأمر واضح لماذا.
فهم وإن كانوا شركاء للمصريين في المفاوضات، إلا أنهم أيضًا نقيضان تامّان، خصوم، وحتى وقت قريب كان يمكن القول إنهم أعداء. ليسوا فقط متشككين بعضهم ببعض، بل نشأت بينهما هذه الأيام منافسة على قلب ترامب!!
القطريون يتقدمون بفارق كبير، لكن مصر ليست من عادتها التنازل. من كان لديه شك كم هم قريبون من البيت الأبيض، فليُلق نظرة ثانية على صورة نتنياهو وهو يحمل الهاتف المتدلي والورقة أمامه، يتصل من الغرفة البيضاوية ليعتذر للأمير.
إذًا، أراد السيسي أن يكون الختام عنده ورفع الراية أولًا. “تعال إلينا”، قال لترامب.
هذه الدعوة هي أيضًا عرض للمصالحة. بين البيت الأبيض وقصر الرئاسة في القاهرة تسود قطيعة. عندما أعلن ترامب عن رغبته في تفريغ غزة من سكانها وأخذها لنفسه كفرصة عقارية، أبرز المصريون له ألسنتهم وتمرّدوا على القرار.
بل إن السيسي ألغى زيارته المقررة إلى الغرفة البيضاوية قبل الموعد بأسبوع واحد فقط. في الدعوة العلنية لترامب قال له السيسي، ضمن أمور أخرى، “أدعوك للتصالح”.
وما علاقة ذلك بالله؟ حياة المصري معلّقة على شرط. كل ما سيحدث فيها بدءًا من خمس دقائق من الآن يتوقف على إرادة الله. السيسي رجل متدين جدًا، وإن لم يظهر ذلك عليه. هو حقًا وبصدق يؤمن بأنه إن شاء الله ستتوقف الحرب في غزة نهائيًا.
هذا الإيمان قوي إلى درجة أن المصري العادي أحيانًا يمتنع عن قول “نعم” عندما يُطلب منه القيام بعمل ما. مثلًا، هل ستأتي إلينا غدًا؟ لن يقول نعم، بل يكتفي بالقول “بعون الله”. أحيانًا، في لقاء مع ضيف غربي، يكون هذا “إن شاء الله” مصدرًا للمشاكل. إذًا نعم أم لا، لم أفهم.
فكيف يمكن الرد بالإيجاب؟ في كل لحظة قد يعبث الخالق بالخطط. لا أعلم إن كانت دعوة السيسي وصلت إلى أذني رئيس الولايات المتحدة. وإن وصلت، هل تفرغ لها؟. سمعت أنه مشغول جدًا هذه الأيام. إنه يحفظ كلمات مجاملة باللغة السويدية( حيث كان ينتظر حصوله على جائزة نوبل للسلام!؟
حرب اكتوبر
بين احتفالات مصر وإلغائها في سورية
وبالمناسبة عن مصر، انظروا ما حدث هذا الأسبوع في سورية. نشر الرئيس أحمد الشرع يوم الأحد مرسومًا
رئاسيًا يفصّل العطل الوطنية على مدار السنة. يضم المرسوم بطبيعة الحال عيد الأضحى، عيد الفطر، رأس السنة الهجرية، أيام رأس السنة المسيحية ( كل طائفة
مواعيدها )، مولد النبي محمد، عيد الفصح وعيد العمال.
من القائمة غاب عيد واحد، ومميز اعتيد على إحيائه في سورية منذ 51 سنة، وهو “السادس من أكتوبر”. تساءلت وسائل إعلام من الداخل والخارج: كيف تجرأ الشرع على التنكّر للهجوم السوري على “إسرائيل” في تلك الحرب، وهل وجّه بذلك رسالة إلى القاهرة، بأن الوقت قد حان لوقف كل الاحتفالات في ذلك اليوم؟
وتساءل آخرون، إن كان أسوأ من ذلك، هل قام ببادرة تلميحية نحو القدس؟
يمكن العثور على الإجابات في القائمة الكاملة للعطل الوطنية. فقد أعلن الشرع أيضًا عن عطلة ليوم واحد في السادس من مارس. هذا هو اليوم من عام 2011 الذي اندلع فيه التمرد ضد بشار الأسد في مدينة درعا جنوبًا.
وكذلك في الثامن من ديسمبر، وهو اليوم الذي احتلت فيه قوات الشرع، عام 2024، دمشق وطردت الطاغية. سمّى الأول “عيد الثورة”، والثاني “عيد التحرير”. ليست غمزة لنتنياهو ،ولا إهانة للسيسي. رئيس سورية معروف بأنه يمقت عائلة الأسد.
يتهمها بإفساد البلاد ، وتخريبها في كل المجالات ونهب خزينتها ومواردها. الدنيا على حالها: أحدهم يصنع التاريخ، والآخر يمحوه. وبالمناسبة، مات الملك، عاش الملك.
في إطار المفاوضات طلبت حماس من إسرائيل جثمان يحيى السنوار. الجثمان محتجز في “إسرائيل” منذ قُتل السنوار في اشتباك مع الجيش الإسرائيلي قبل سنة.
هذه الأيام في غزة، كثيرون يفضّلون أن يبقى بحوزة “إسرائيل” حتى لا يُصنع منه بطل. وكذلك في “إسرائيل” يرغبون في تأخير إعادته. للأسباب ذاتها.
للتاريخ حيويته الخاصة. إنه يتغير عبر الأجيال. أي أن الماضي يبقى على ما هو عليه. ما يتغير هو المستقبل. الطريقة التي يُنظر إليه بها. اليوم السنوار “مكروه” من الجمهور.
ليس مؤكدًا أن يبقى الأمر كذلك إلى الأبد. عندنا، نحن الإسرائيليين، جرت العادة أن نقول عنه إنه أنزل بالفلسطينيين الكارثة الأكبر في تاريخهم.
من حيث معاناة الفرد والتضحيات التي دفعوها، هذا الادعاء صحيح. الجهاديون يفكرون بشكل مختلف. إنهم يحصون النجاحات، لا الأثمان. إذا قُتل مئة ألف، وتلقى العدو الهزيمة الأقسى في تاريخه، فربما كان ذلك يستحق.
أكثر من ذلك. أخذ السنوار القضية الفلسطينية، التي لم يكن أحد يلتفت إليها، ورفعها إلى مركز الطاولة. هو صحيح أنه دفع حياته ثمنًا، لكن حسب إيمانهم، إنسان مثله يواصل الحياة عند الله. ليست هذه تفسيري بل آية معروفة في القرآن.
في سورة آل عمران، الآية 169 يقول الله، وفق الإيمان الإسلامي: “ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم”.
معظم المقترحات التي صاغها الوسطاء، منذ بدء المفاوضات في فبراير 2024، انتهت ببند ينص على العودة إلى مسار المفاوضات بين “إسرائيل” والفلسطينيين. ليس المصريون والأتراك والقطريون وحدهم من يضغطون لذلك هذه الأيام.
كذلك ترامب يتحدث في خطة الـ21 نقطة عن سلام إقليمي.
وقف الحرب لن يعيد فقط المخطوفين إلى بيوتهم. قد يعيد، وبقوة أكبر، المسألة الفلسطينية إلى طاولة البحث. كان معظم الإسرائيليين خلال الأيام الأخيرة منشغلين بما يجري في شرم الشيخ.
ربما سننشغل قريبًا بقضايا الانتخابات، أو بدوّامة وطنية أخرى. لكن في عواصم العالم سينتظروننا بآلات ضغط من النوع الأشد ثقلًا.
أكثر من آلاف الأسرى الذين أُطلق سراحهم، وأكثر من الشرخ الذي أحدثه في المجتمع الإسرائيلي والذي اتسع وبلغ ذروات، وأكثر حتى من الهزيمة العسكرية في تلك السبت. أعظم إنجازات السنوار ورفاقه في الهجوم كان إعادة النقاش حول الدولة الفلسطينية من قاع القائمة إلى مركز الاهتمام الدولي.
في سيناريو بدأ يكتب بالفعل، قد تحكم عليه التاريخ بأنه جلب عليهم الكارثة الأكبر في تاريخهم، لكنه أيضًا حقق لهم الإنجاز الأبرز على الإطلاق.


