“كلية فرنسا ” هي صرح جامعيّ انشئ عام ١٥٣٠ بقرار من الملك
فرنسوا الأول تحت اسم “الكلية الملكية ” .
تتميز هذه الكلية عن سواها من الجامعات بربطها التدريس بالبحث العلمي بهدف نقل المعرفة ومواكبة تطورها في كافة المجالات العلمية والأدبية والفنية… ولهذا فإن اختيار المدرسين فيها لا يعتمد على شهاداتهم وألقابهم الجامعية بل على إنتاجهم العلمي والمعرفي. ولهذا فإن الحصول على مرتبة أستاذ محاضر في “كلية فرنسا”يعتبر أسمى امتياز في مجال التعليم الجامعي في فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن المحاضرات
فيها متاحة للطلبة المسجلين ولمن يرغب في المشاركة فيها من المواطنين، وهذا ما يجعل منها صرحاً فريداً في المجال الجامعي الفرنسي .
— في يومي ١٣ و ١٤ من شهر تشرين الثاني الجاري كان من المقرر أن تحتضن الكلية ندوة بإشراف “هنري لورنس”الذي يشغل “كرسي التاريخ العربي المعاصر “في الكلية ، وسلام كواكبي
مدير ” المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية في باريس ”
(Carep-Paris ) موضوعها :
“فلسطين-أوروبا: ثقل الماضي وديناميات الحاضر، ويشارك فيها باحثون اختصاصيون بتاريخ فلسطين والشرق الأوسط والصراع العربي -الإسرائيلي من بلدان عديدة
(فرانسا،ألمانيا،إيطاليا،إنجلترا،كندا
تركيا،إسبانيا،سويسرا،هولندا وبلجيكا)
على أنه قبل موعد افتتاح الندوة المنتظرة بأربعة أيام أصدر مدير “كلية فرنسا “بياناً يعلن فيه إلغاءها
( وهو قرار لم تعرف الكلية مثيلاً له في تاريخها منذ عام ١٨٦٢ حين اعلن الإمبراطور نابليون الثالث تعليق محاضرات المفكر “ارنست رينان”
(Ernest Renan) إلى اجل غير مسمى بسبب ما جاء في كتابه
” حياة يسوع ” الذي نزع فيه عن
السيد المسيح صفته الإلاهية
واصفاً إياه بالرجل الذي لا مثيل له .
واعتبر الاناجيل مجرد وثائق تاريخيّة ).
بدأ مدير الكلية بيانه بالتذكير بحياد
الكلية الصارم ازاء المواضيع ذات الطابع السياسي و الأيديولوجي . وأنه كمسؤول عن رصانة الندوة ،
وعن سلامة املاك المؤسسة والأشخاص فإنه لا خيار أمامه
سوى إلغاء الندوة بسبب الجدل الذي اثير حولها ،ومخاطر حصول مشاغبات ومظاهرات داخل الكلية وخارجها.
وفي هذا السياق ، ذكرت صحيفة
” لوموند ” أن الكليّة، كما ذكر أحد المسؤولين فيها ، لا تخالف مبادئ الحرية الأكاديمية،ولكن مسألة تعددية وجهات النظر كانت موضع تشكيك من قبل بعض الباحثين غير المشاركين في الندوة
الأمر الذي دفع المسؤولين للتساؤل عن جدوى الإبقاء عليها لا سيما أن عنف الاتهامات التي وجّهت إلى منظمي الندوة والمشاركين فيها على حد سواء جعلنا نخشى من احتمال حدوث تجاوزات داخل قاعة المحاضرات أو خارج مبنى الكلية.
إن ما يعنيه مسؤول الكلية هنا دون أن يفصح عنه بالتفصيل هو مايلي:
في ٥ تشرين الثاني اكتشفت أدارة الكلية وجود شعارات مهينة عديدة كتبت على حائطها الخارجي تتهم المنظم الرئيسي للندوة ( البروفيسور هنري لورنس ) بأنه
معادي للسامية ومتواطئ مع حركة حماس .
في ٦ تشرين الثاني نشرت مجلة
“لو بوان “(Le Point ) الفرنسية مقالا ً تحت عنوان : “ندوة منحازة لفلسطين، ذات مخاطر كبيرة ” جاء فيها أن الندوة التي ستنظم في
“كلية فرنسا ” تدعم حركة حماس ،
كما أنها معادية للصهيونية والدليل على ذلك هو اسماء بعض المشاركين فيها وهم:
– دومينيك دو فيلبان رئيس وزراء فرنسا ووزير الخارجية الأسبق
– جوزيب بوريل االمسوءل الأعلى السابق للعلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
– فرنشيسكا البانيزي ، مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
بعد صدور هذا المقال مباشرة سارعت ” الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية ”
( LICRA ) ،وهي من اركان اللوبي المناصر لإسرائيل ، إلى نشره على
صفحتها x ,ثم وصفت الندوة
المنتظرة بانها معادية للصهيونية وأنها مثال على استراتيجية التغلغل التي يمارسها “الإخوان المسلمين ”
في فرنسا لا سيما ان ” المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية في باريس ” تموّله دولة قطر.وانهت الرابطة بيانها بالإشارة إلى أنها ستتصل بوزير التعليم العالي “فيليب باتيست ”
(Philippe Baptiste) للفت انتباهه
إلى مخاطر الندوة.
في ٨ تشرين الثاني الجاري اي بعد يومين فقط من بدء ” الجدل ” المفتعل وجه وزير التعليم العالي الفرنسي رسالة إلى مدير “كلية فرنسا “جاء فيها أن برنامج الندوة
( اسماء المشاركين وعناوين المحاضرات) “تجعلني أشك بقدرة
موءسستكم العريقة على ضمان حصول نقاش يحترم مبدأ تعددية الاراء “.
ومع ان الوزير يعلم جيداً انه لا يملك صلاحية اتخاذ اي قرار بشأن اية فعالية ثقافية أو علمية استناداً إلى مبدأ “الحرية الأكاديمية “،الا ان ذلك لم يمنعه،لزيادة الضغط على مدير الكلية، من البوح بأنه على خلاف عميق مع زاوية معالجة المواضيع المطروحة.
( رغم ذلك سعى بعض المقربين من الوزير إلى التذكير بأن قرار إلغاء الندوة يقع على عاتق مدير الكلية دون سواه، وان الوزير لم يمارس أي ضغط في هذا الصدد.)


