في الكُتُبِ والمواثيقِ الدَّوليّة، يَبدو العالَمُ مُنظَّماً تَحكُمُهُ القَوانينُ والاتّفاقيّات، وتَحميه مُؤسَّساتٌ أُنشِئَت بعد الحُروب الكُبرى لِحِفظِ السِّلمِ وحُقوقِ الشُّعوب. لكنَّ الواقِع، في كثيرٍ من الأحيان، يَكشِفُ فَجوةً واسعةً بين ما يُكتَبُ بِالحِبر على الوَرَق، وما يُفرَضُ فعليّاً بِالقُوَّة على الأرض.
لقد خَرَجَ العالَمُ من أهوالِ الحرب العالمية الأولى ثمّ الحرب العالمية الثانية وهو يُعلِنُ أنَّ زَمَنَ الحُروبِ المُدمِّرة يجب أن يَنتهي، وأنَّ نِظاماً دَوليّاً جديداً سيقومُ على القانونِ والمؤسَّسات. ومن هنا ظَهَرَت مُنظَّماتٌ دَوليّة، وأُقِرَّت مواثيقُ لِحُقوقِ الإنسان، وأصبح الحديثُ عن القانونِ الدَّوليّ جزءاً أساسيّاً من الخِطابِ السّياسيّ العالَميّ.
لكنَّ السُّؤالَ الذي يَتكرَّرُ في كلِّ أَزمةٍ كُبرى هو ، مَن يُطَبِّقُ هذا القانون… وكيف؟
فالواقِعُ يُظهِرُ أنّ القَواعدَ نفسَها قد تُفسَّرُ بطرقٍ مُختلِفة، بحسب مَوازينِ القُوّة. وفي عالَمٍ تتفاوتُ فيه القُدراتُ العسكريّة والاقتصاديّة بشكلٍ كبير، يُصبِحُ تَنفيذُ القَراراتِ الدَّوليّة مُرتبطاً أحياناً بقدرةِ الدُّولِ على فَرضِها… أو مَنعِها.
ولهذا يرى كثيرون أنَّ النِّظامَ الدَّوليّ يَعيشُ دائماً بين مَبدئين مُتوازيين، مَبدأِ القانُون… ومَبدأِ القُوّة.
وحينَ يَتوازنُ هذانِ المَبدآن، يُمكِنُ للقانون أن يَلعبَ دَوراً حقيقيّاً في تَنظيمِ العَلاقاتِ بين الدُّول. أمّا عندما يَختلُّ هذا التَّوازن، فإنَّ القُوّة تُصبِحُ العامِلَ الحاسِم في تَحديدِ ما يُطَبَّق… وما يَبقى حِبراً على وَرَق.
إنَّ قضايا عديدة في العالَم تُذَكِّرُنا بهذه الحقيقة، من النِّقاشاتِ الدَّوليّة حول أوضاعِ شُعوبٍ مثل الروهينغا و الإيغور، إلى الصِّراعِ الطَّويل في فلسطين، حيثُ تَتداخَلُ الاعتباراتُ السّياسيّةُ والقانونيّةُ والإنسانيّة في مَشهدٍ شديدِ التَّعقيد.
هذه الأمثلة لا تَعني أنَّ القانونَ الدَّوليّ بلا قيمة، بل تَعني أنّه يَحتاجُ دائماً إلى تَوازنٍ في القُوّة حتى يكونَ قابِلاً لِلتَّطبيق.
فالقانونُ، مهما كان مُتقدِّماً، يَبقى إطاراً نَظريّاً يُنظِّمُ العَلاقات.
أمّا القُدرةُ على فَرضِ احترامِه، فَتحتاجُ إلى إرادةٍ سياسيّةٍ وقُوّةٍ قادِرةٍ على حِمايته.
ولهذا فإنَّ الدُّولَ التي تَسعى إلى حِمايةِ سِيادتِها لا تَكتفي بالاعتمادِ على النُّصوصِ القانونيّة وحدَها، بل تَعملُ أيضاً على بِنـاءِ اقتصادٍ قويّ، ومُؤسَّساتٍ فاعِلة، وقُدرةٍ على التَّأثير في مُحيطِها الإقليميّ والدَّوليّ.
ففي النِّهاية، يَبقى الدَّرسُ الذي يُكرِّرُه التَّاريخ واضحاً:
القوانينُ قد تُكتَبُ بِالحِبر…
لكنَّ احترامَها في عالَمِ السِّياسةِ غالباً ما يُحسَمُ بِميزانِ القُوّة.


