الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ام كلثوم تكتب : كيف عرفت جمال عبد الناصر ؟

بعد عام واحد من رحيل الرئيس (جمال عبدالناصر) أصدرت مجلة الهلال التى كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير (صالح جودت) عددا خاصا بعنوان «عام مضى على جمال عبدالناصر» تضمن عشرات المقالات والقصائد، أما مفاجأة العدد فكان المقال البديع الذى كتبته السيدة (أم كلثوم) بعنوان (كيف عرفت عبدالناصر) وشغل ثمانى صفحات من المجلة.
كتبت (أم كلثوم) تقول : (لا أزال أذكر أجمل الذكر، المرة الأولى التى رأيت فيها (جمال عبدالناصر)، كان ذلك فى عام المأساة الكبرى فى تاريخ الأمة العربية (مأساة فلسطين) سنة 1948 حين هبت مصر للذوذ عن الأرض السليبة وذهب الجيش إلى هناك وكان على أبواب النصر، لولا أن دبرت له الدول الكبرى المؤامرة التى انتهت بخدعة الهدنة الأولى ثم الثانية فانقلب النصر إلى هزيمة، وحوصر أبناؤنا فى الفالوجا حصارا قاسيا مريرا أبدوا خلاله ألوانا أسطورية من البطولات.
كنت أتتبع ابناء إخوتى وأبنائى أبطال الفالوجا يوما بيوم وساعة بساعة وقلبى يخفق لهم فى كل لحظة ويضرع إلى الله أن يؤيدهم فى صمودهم العظيم إلى أن يردهم إلينا سالمين، واستجاب الله الدعاء.
وعاد أبطال الفالوجا إلى القاهرة وعلى رأسهم القائد البطل المرحوم (السيد طه) الذى اشتهر يومئذ باسم (الضبع الأسود) ودعوتهم جميعا – جنودا وضباطا- إلى حفلة شاى فى بيتى، ووجهت الدعوة كذلك إلى وزير الحربية فى ذلك الحين الذى اتصل بى معتذرا عن عدم استطاعته تلبية الدعوة.
وجاء الأبطال إلى بيتى واستقبلتهم بدموع المصرية الفخور بأبناء مصر وجلست بينهم وأنا أشعر أنهم أسرتى، صميم أسرتى، إخوتى وأبنائى.
وأذكر يومئذ أننى أقمت لهم فى حديقة البيت محطة إذاعة صغيرة تذيع عليهم ما يطلبون من أغنياتى.. بعد ذلك تروى (أم كلثوم) كيف أن البطل (السيد طه) أخذ يقدم لها ضباطه وجنوده واحدا واحدا ويحدثها عن بطولاتهم وتضيف : وكان فى مقدمة أصحاب هذه البطولات الضابط الشاب (جمال عبدالناصر) وشددت على يده وأنا أصافحه وأتأمل ما يتألق فى عينيه من بريق الوطنية وحدة العزم وعمق الإيمان، وكان هذا هو أول لقاء لى بالبطل قبل أن يلعب دوره التاريخى فى حياة مصر بأربع سنوات).
——
ثم يأتى اللقاء الثانى وكان يوم الثورة -23 يوليو 1952 حين اتصل بها ابن شقيقتها الضابط بسلاح الإشارة وأخبرها بقيام الثورة ويطلب منها أن تسمع الإذاعة وتقول (أم كلثوم) :
كنت يومئذ أصطاف بالإسكندرية وهرعت إلى الراديو وسمعت (أنور السادات) بصوته القوى المؤمن يبشر الناس بقيام الثورة، ونهضت على الفور وأعددت عدتى للسفر إلى القاهرة، واتجهت إلى مطار الإسكندرية.
ونزلت من الطائرة فذهبت رأسا إلى إدارة الجيش بكوبرى القبة لأهنئ الأبطال الثائرين على الظلم والبغى والطاغوت.. وكنت أتصور أننى لن أعرف منهم أحدا، ولكننى عندما قلبت عينى فى وجوه هؤلاء الأبطال تبينت أننى أعرف من بينهم وجوه أبطال الفالوجا الذين احتفيت بهم فى بيتى منذ أربع سنوات، وفى طليعتهم وجه (جمال عبدالناصر) وتصافحنا للمرة الثانية وقد ازداد فى عينيه هذه المرة بريق الإصرار على النصر.
وعدت إلى بيتى واتصل بى الأستاذ الشاعر (أحمد رامي) وسألته أن يعجل بنظم تحية أقدمها للثورة، فنظم لى الأغنية التى مطلعها :
مصر التى فى خاطرى وفى فمى
أحبها من كل روحى ودمى
بنى الحمى والوطن
من منكمو يحبها مثلى أنا ؟!
وتمضى (أم كلثوم ) فى مقالها فترصد مسيرة الثورة التى واكتبها بصوتها وأغنياتها فتقول : (وتابعت الثورة مسيرتها المنتصرة بقيادة (جمال عبدالناصر) وخرج الإنجليز من مصر وانكسر احتكار السلاح، وأممت القناة، وقام العدوان الثلاثى وانتصرت مصر مرة أخرى وأقيم السد العالى.. إلخ
وأنا أنفعل بهذه الأحداث وأترجم كل انفعال إلى أنشودة من أناشيد الثورة وهى خير ذخر أعتز به فى حياتى ومنها (منصورة يا ثورة أحرار و(طوف وشوف) و(يا حبنا الكبير) و(على باب مصر) إلخ.
غير أن هناك أنشودتين من بين كل هذه الأناشيد، أحسست بانفعال أعمق وأنا أغنيهما، وقد ظللت أستشعر عمق هذا الانفعال كلما ذكرتهما.
الأولى هى الأغنية التى غنيتها لجمال عبدالناصر يوم كتب الله له النجاة من الحادث الأثيم الذى أطلق فيه عليه الرصاص بالإسكندرية يوم غنيت له :
-(أجمل أعيادنا الوطنية بنجاتك يوم المنشية)
والثانية عقب النكسة (1967) يوم أعلن (جمال) ذلك النبأ الأسود الذى انخلع له قلب مصر بل قلب الأمة العربية كلها نبأ تنحيه عن الحكم، وكنت منذ الساعة التى تأكدت فيها أنباء النكسة قد خاصمت النوم.. وفى تلك الليلة قلت لصديقى (صالح جودت) ونحن نتحدث بالتليفون:
إن الأمل الباقى، هو أن يبقى جمال عبدالناصر فى مكانه!
وبعد منتصف الليل عاود (صالح جودت) الاتصال بى وتلا على هذا المعنى منظوما فى أنشودة تحمل صورة نداء إلى (جمال) مطلعها:
قم واسمعها من أعماقى..
فأنا الشعب
أبق فأنت السد الواقى
لمنى الشعب
ابق فأنت الأمل الباقي
لغد الشعب
ابق فأنت حبيب الشعب
وأملى على كلمات الأنشودة بالتليفون، وأيقظت (رياض السنباطي) وأمليتها عليه بالتليفون أيضا، ولم ينم السنباطى ليلته، وفى الصباح كان قد انتهى من تلحينها، وبعد يوم واحد سجلتها وقدمتها الإذاعة للجماهير، جماهير 9 و10 يونيو التى خرجت عن بكرة أبيها تطالب ببقاء (جمال عبدالناصر) وبقى جمال عبدالناصر، وعاد الأمل يطل علينا من جديد).
••
وتواصل (أم كلثوم) – مقالها الوثيقة – فنروى جوانب عديدة من علاقتها بجمال عبدالناصر وخاصة ما يتعلق بالفن والغناء فنقول:
(لقيت) جمال عبدالناصر قبل ذلك وبعدة عشرات المرات فى مختلف المناسبات، وكان لا يفوته – رحمه الله – فى كل حفلة أغنى بها ويشهدها فى نادى الضباط أو جامعة القاهرة أو غيرهما أن يدعونى إلى الاستراحة وتدور بيننا أحاديث طويلة عن الفن.
كان شديد الاعتزاز بالفن المصرى، قوى الإيمان بأن أهل الفن كتيبة عزيزة من كتائب المعركة. وكان لأغانى (رابعة العدوية) وقع خاص فى نفسه لما فيها من تصوف وروحانية، وكثيرا ما كان يقول لأهل الفن. كلما التقى بهم فى مناسبة من المناسبات أن أغانى رابعة العدوية يجب أن تكون نصب أعينهم دائما كأنموذج لمثالية الغناء.
وكان حبه للغناء والموسيقى دليلا على حسه المرهف، إلى حد إنه كثيرا ما كان ينكب على العمل فى مكتبه وهو يستمع إلى الغناء المنبعث هادئا من ركن الغرفة، وكنت أشعر بالفخر كل الفخر حين أسمع أنه يطلب أغنياتى فور تسجيلها فى الإذاعة وقبل أن تذاع على الناس.
وتمضى (أم كلثوم) فى مقالها الرائع إلى أن تقول :
(كنت أعرف أنه متعب القلب ومع هذا فإنه يبذل من روحه وجسده ما فوق طاقته لخدمة مواطنيه ورفعة شأن وطنه، وآمنت به وبما يفعل.
وفى حدود طاقتى حاولت أن أحذو حذوه وأتخذ منه أسوة حسنة ولهذا أبيت أن أستسلم لليأس بعد النكسة. لم يكن أمامى إلا أحد أمرين، فأما أن ألتزم الصمت، وأقبع فى ركن من الانهيار النفسى، أو أن أمضى بسلاحى – وهو صوتى – أبذل ما أستطيع من جهد من أجل المعركة. وأخترت الأمر الثانى، أحسست أننى أكون سلبية لو امتنعت عن الغناء.
وأحسست أننى أقف وراء رسالة عبدالناصر، لو غنيت داخل الحدود وخارج الحدود لأرفع صوتى باسم وطنى وأجمع ما أستطيع أن أجمع من عدة وعتاد من أجل المعركة، لعلى أرد بعض جميل مصر وبعض جميل البطل الذى يحترق من أجل مصر والذى كرم الفن أجمل تكريم والذى زين صدرى بأرفع وسام فى الدولة، وأعز قدرى بجائزة الدولة التقديرية للفنون، هذه الجائزة التى أحسست أن (عبدالناصر) لا يكرمنى بها وحدى، وإنما يكرم بها جميع إخوانى، خدام الفن، ولهذا تبرعت بمنحتها المادية لصندوق الفنانين.
وبهذا الدافع غنيت فى كثير من المحافظات بعد العدوان، ثم غنيت فى ليبيا وتونس والمغرب والسودان ولبنان والكويت وباريس، وكان آخر المطاف فى موسكو، ذهبت لأغنى لهؤلاء الأصدقاء الذين وقفوا معنا فى المعركة.
ولم أكن أدرى ما يخبئ القدر وأنا فى موسكو إلا حينما أيقظنى ابن أختى فى الصباح الباكر وهو يجاهد نفسه ويجالدها ليلتمس الوسيلة التى يقول لى بها أن عبدالناصر قد ذهب إلى لقاء الله وأن مصر قد فُجعت فى أعز ما تملكه.. ورحت أصرخ.. مصر وطنى.. بلدى.. مصير بلدى.. المعركة.. ما المصير يا رب.. لطفك يا رب.
وعدت من موسكو دون أن أغنى، عدت أسائل نفسى : هل أستسلم ليأس ثان كيأس النكسة أو بنفس الإيمان الراسخ فى أعماقى، الإيمان الذى تعلمته من عبدالناصر وأطرح اليأس وراء ظهرى وأمضى فى طريقى أغنى للنصر حتى يوم النصر.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الحادث الذي غير تاريخ سورية

الجمعة ٢٢نيسان من سنة ١٩٥٥ الرقيب في الشرطة العسكرية يونس عبد الرحيم يطلق النار في الملعب البلدي في دمشق على الضابط البارز في الجيش السوري نائب رئيس الأركان العامة العقيد عدنان...

مشروع عبد الناصر الصاروخي

ذات يوم 11 مارس 1965.. علماء صناعة الصواريخ والطائرات الألمان يتمسكون بالعمل فى القاهرة ويرفضون تهديدات إسرائيل ذات يوم 11 مارس 1965.. علماء صناعة الصواريخ والطائرات الألمان...

لرؤساء لا يتعصبون لاديان او عرقيات ..ولكن يعرفون حقوق رعاياهم دون تمييز

حضر الرئيس جمال عبد الناصر حفل افتتاح الكاتدرائية، ودعا له إمبراطور الحبشة هيلاسيلاسى، حيث كان الرئيس يؤمن بأن امتداد الكنيسة المصرية فى أفريقيا وإشرافها على الكنيسة الإثيوبية...

الزعيم "جمال عبد الناصر" في مذكرات السيد علي خامنئي

يقول المرشد الراحل السيد علي خامنئي؛ بعد أسبوعين من اعتقالي في سجون الشاه شقّ الصمتَ صوتُ أحد الحراس وهو يصرخ في الممرات: “بُشرى، بُشرى عبد الناصر مات!! “كانت الكلمات...

علي شريعتي يفضح رجال الدين ليت القوميين المزيفين يقرأونه

المفكر الإيراني علي شريعتي ، الذي اغتيل في بريطانيا سنة 1977. . له آراءفي رجال الدين تنطبق فعلياً على قوميين عرب ، هم في أعماقهم مذهبيين. ماذا يقول شريعتي ؟ 1- المسجد في زمن...

"المسألة الكردية" ليس لها أرضية في سوريا

في سوريا التي هي درّة بلاد الشام، والتي كانت جزءاً من الدولة العثمانية بعد معركة مرج دابق شمال حلب 1516، حيث انتصرت الجيوش العثمانية على المماليك الذين كانوا يحكمون بلاد الشام...