السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين الضربة واللا ضربة: لبنان والمنطقة في زمن القلق المفتوح

كارولين ياغي

لا يُشترط اندلاع الحروب في الشرق الأوسط كي تترك بصماتها العميقة. يكفي أن تُطرَح كاحتمال، حتى يبدأ القلق بالتسلل إلى الجغرافيا والناس معًا. حتى هذه اللحظة، تتكاثر التقديرات حول ضربة أميركية محتملة لإيران، تُقدَّم في الخطاب السياسي الأميركي على أنها «محدودة وحاسمة»، في إطار سعي دونالد ترامب إلى إعادة ترسيخ معادلة الردع، من دون الغرق في حرب طويلة ومكلفة. غير أن تجارب المنطقة المتراكمة تُظهر أن ما يُوصَف بالضربات المحدودة نادرًا ما يبقى محدودًا في مفاعيله، وأن الحسابات الباردة غالبًا ما تصطدم بواقع إقليمي أكثر تشابكًا وتعقيدًا.
إن أي عمل عسكري ضد إيران، مهما بدا محسوبًا، سيضع المنطقة أمام مرحلة توتر مرتفع. تصعيد غير مباشر في الخليج، تهديدات متزايدة للممرات البحرية الحيوية، وتحريك للساحات المرتبطة بإيران عبر رسائل أمنية مدروسة، لا تصل إلى حدّ الحرب الشاملة، لكنها ترفع مستوى عدم الاستقرار وتُبقي الإقليم في حالة اهتزاز دائم.
لا تكمن الإشكالية في حجم الضربة بقدر ما تكمن في كيفية تفسيرها. فما تعتبره واشنطن رسالة ردع واضحة، قد تراه طهران خرقًا لقواعد الاشتباك، ما يفتح الباب أمام ردود متدرجة يصعب التحكم بإيقاعها أو سقفها.
يتحرّك التهديد الأميركي بالضربة ضمن خليط من الحسابات الاستراتيجية والسياسية. فترامب يسعى إلى تكريس صورة الحزم والقوة، داخليًا وخارجيًا، من دون تحمّل كلفة مواجهة مفتوحة تستنزف الاقتصاد الأميركي وتعيد إلى الذاكرة إرث الحروب الثقيلة في الشرق الأوسط.
لكن الردع، حين لا يُستكمل بمسار سياسي واضح، يتحوّل إلى حالة توتر مزمنة، تُبقي المنطقة معلّقة بين تهديد لا يُنفَّذ بالكامل، وانفجار لا يمكن استبعاده في أي لحظة.
في هذا السياق، لا يحتاج لبنان إلى أن يكون ساحة اشتباك مباشرة كي يتضرر. فكل تصعيد أميركي إيراني يضع جنوبه في دائرة الانتظار القلق، ويضاعف المخاوف الشعبية حتى من دون طلقة واحدة.
لبنان اليوم بلد هشّ، اقتصاديًا ونفسيًا. يكفي ظلّ الحرب ليشلّ ما تبقى من حياة يومية، ويقوّض أي أمل بالتعافي، في وطن يقف أصلًا على حافة الانهيار، ويُدفَع مرة جديدة إلى تسديد فاتورة صراعات تفوق قدرته على الاحتمال.
وحتى في حال عدم وقوع الضربة، لا يعني ذلك انفراجًا حقيقيًا. سيبقى الإقليم عالقًا في حالة «لا حرب ولا سلام»، مع استمرار الضغوط والعقوبات وحروب الظل. إيران ستواصل سياسة المناورة، وواشنطن ستُبقي التهديد قائمًا كأداة ضغط دائمة.
أما لبنان، فسيبقى أسير انتظار قاتل: لا تصعيد شامل، لكن لا استقرار. لا حرب، لكن لا أفق سياسي أو اقتصادي واضح.
هكذا يقف لبنان بين الضربة واللا ضربة، خارج دائرة القرار، وداخل دائرة التأثّر. وفي كلتا الحالتين، يدفع اللبناني ثمن صراعات أكبر منه، ويعيش على إيقاع قلق مزمن، في منطقة لا تُنهي أزماتها، بل تتقن فقط فنّ تأجيل انفجارها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...