مع زوجه الأديبة والباحثة جهان حلو
ياتي هذا المقال بمناسبة ذكرى اختفاء المفكّر والمناضل الفلسطيني حنّا ميخائيل مع ثمانية من رفاقه في زورق بحري كان متوجهاً من بيروت إلى الشمال ليلة العشرين من تموز عام ١٩٧٦
بتاريخ ٢٢ آب أغسطس ١٩٦٨، كتب هيو أ. بون وهو رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة واشنطن ، مخاطباً البروفسور حنّا ميخائيل والذي عمل كاستاذ مساعد لدراسات الشرق الاوسط في الجامعة،
عزيزي جون (حنا) عملك في قسمنا “كان يحقق توقعاتي كل يوم… تقييمك وعملك بصبر دفع عجلة تحقيق أهداف القسم مقدّرة عالياً..” وراح هيو يثنّي على جهود ميخائيل في عمله بالمنطقة المنطقة الحساسة من سياسات الشرق الاوسط وأهميته في تعزيز قسم العلوم السياسية بالجامعة وتمايزه وبانه يتطلّع مع زمالة ميخائيل لتغيير حقيقي وتعزيز أكبر لمكانة القسم في قادم السنوات.
لكنّ حنّا ميخائيل الفتى الذي انتقل من رام الله الى أميركا لدراسة الكيمياء، وسرعان ما اتّجه الى دراسات الشرق الأوسط والعلوم الإسلامية بجامعة هارفرد، حيث تعرّف إلى صديقه ادوارد سعيد، سرعان ايضاً، ما قرّر ان يترك اميركا ويلتحق بصفوف حركة التحرّر الوطني الفلسطيني “فتح” في الأردن ثمّ بيروت، حيث سيكون الرجل على موعد مع قدره .
لقد شكّلت انطلاقة “فتح” لحنا ولجيله الأمل الجديد بعد نكسة ١٩٦٧. وصدم هذا البرجوازي الفلسطيني محيطه الاجتماعي حين قرّر الالتحاق بالثورة ومخاطرها، ، لتنتهي مغامرة “الفدائي العاشق” ليلة العشرين من تموز ١٩٧٦ أثناء التوجه بحراً الى الشمال اللبناني مع ثمانية من رفاقه، في مهمّة هدفت للسيطرة على الوضع المتفلّت هناك، جاءت المهمّة بتوقيت ذروة من الحرب الأهلية اللبنانية وحصار تلّ الزعتر، ولتترك الكثير من الأسئلة، هل غرق الزورق، ام وقعت المجموعة في أسر أحزاب اليمين، ام الاسرائيليين ام النظام السوري؟ هل كان أبو عمر معتقلاً في السجون السورية ثمّ قضى خلال محاولة فرار لمعتقلين كما نقل سجناء محرّرون من” تدمر” لزوجه جهان حلو؟. لكنّ أيّ من الروايات بقيت من دون حقائق تُذكر لخمسة عقود.
غير انّ محاولة تفكيك شخصيّة حنّا ميخائيل نفسه، يدعونا إلى فهم الرجل الذي وضع نفسه في الاشتباك، داخل الثورة نفسها، قبل خارجها، ويبدو “الفدائي العاشق” مخلصاً لحبيبته حتى الإزعاج لمن سيسيرون لاحقاً في خط التسوية، . لقد انخرط ابو عمر مع الجماهير على الأرض في خط متواز مع معركته الفكرية، بدأ ممسكاً بالقمة والقاعدة في مهمّة صعبة. كان حنا ميخائيل مع بداية “فتح” قلقاً من غياب النظرية والمنهج الفكري عن الثورة، فصاحب رسالة الدكتوراه “السياسة والوحي، الماوردي وما بعده” التي نشرتها جامعة ادنبره عام ١٩٩٥ ثم دار الطليعة في بيروت عام ١٩٩٧، عاد ووضع الكثير من الأوراق ومنها “ملاحظات حول الثورة العربية”، ولم يكتفِ بالنظرية دون الانخراط وسط القاعدة الشعبية، فأصبح حنّا ميخائيل هو نفسه ابو عمر الفدائي. وكانت التحربتين الفيتنامية والصينية مصدراً مُلهِماً له، إذ انّ تكامل الثورة مع الفكرة عند ميخائيل بدأ برحلته الى معسكرات التدريب في فيتنام، حيث كان مسؤوله العسكري عبد الحميد وشاحي “نعيم” وهو راعي أغنام انضمّ إلى “فتح” ولم يكن يفقه القراءة والكتابة، لكن توطّدت العلاقة مع ميخائيل الذي قام بتعليمه و تثقيفه بصبر وطول بال، وللمفارقة ان نعيم نفسه (وقد اختفى كذلك) كان قائداً للمجموعة التي توجّهت إلى شمال لبنان وكان ابو عمر نائباً له.
سيحيلنا غياب حنا ميخائيل ابو عمر الى الخسارة التي تلقتها القضية الفلسطينية من بعده، والتاثير الكبير الذي صنعه منذ توليه قيادة العلاقات الخارجيّة في حركة فتح وما نسجه من علاقات مع اليسارَين الفرنسي والايطالي، كان تأثير الفدائي العاشق (كما اسماه صديقه الأديب الفرنسي جان جانبيه) على مسيرته الأدبية كبيراً، اذّ التحق جانييه بالقضية الفلسطينية حيث عاش في مخيمات اللجوء في الأردن ولبنان وكتب روايته الشهيرة “الأسير العاشق” وكذلك ” “نساء جبل الحسين” “بالقرب من عجلون””وعدد من النصوص والمحاضرات حول فلسطين وقضية شعبها، كان ذلك في وقت ركّزت فيها النُخَب الفلسطينية على مخاطبة الرأي العام العالمي بدعاية مضادة للإعلام الموجّه عالميّاً، مع صعوبة ذلك في توقيته.
واستكمالاً لهذا السياق، بدأ حنا ميخائيل المناضل، والأكاديمي والمفكّر يزداد بريقا في كل المنابر ، كان التيار الديمقراطي في حركة فتح يعكس رؤيته ل “الحلّ الديمقراطي” للقضية الفلسطينية كمشروع وطني غير قابل للتسويات، في حين بدأت الثوابت الفلسطينية تهتز، وصل بريق حنّا ميخائيل ذروته
حين ظهر عبر البرنامج الشهير the advocate أو “المُرافِع” في حزيران من العام ١٩٧٢ حيث جمعت الشاشة ملك الأردن الحسين والزعيم العربي جمال عبد الناصر وحكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش، اما مشاركة رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية السابق (يهوشفاط هيركابي) فقد جاءت منفصلة، راح حنّا ميخائيل يطرح الحلّ الذي يقوم على فلسطين الدولة الديمقراطية التي تحترم حقوق الجميع انطلاقاً من المساواة في المواطنة بغض النظر عن الدين او العرق وهو الطرح الذي يتبناه اعبدالناصر ‘فلسطين دولة ديمقراطية علمانية واحدة ” كما كتب جورج حبش في مذكراته ” صفحات من مسيرتي النضالية” عن مركز دراسات الوحدة العربية بيروت.
بعد خمسين عاماً على إخفائه قسراً، ما احوجنا اليوم لمشروع وطني التفّ حوله ابو عمر وعديد من المناضلين الانقياء، حيث يبدو حضور المشروع امراً ملحّاً في زمن استشرس كيان الاحتلال في جرائم الابادة والفصل العنصري والتهجير القسري بحق أهلنا في فلسطين ولبنان، وحيث تبقى أيّ من التسويات مع كيان العدو،، رهن سؤال الجدوى.


