الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن اختزال الأزمة كلها في الجانب الاقتصادي وحده يبدو تبسيطًا مخلًا لمشكلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

الأرقام المتداولة حول أعداد الفتيات اللاتي تجاوزن سن الزواج تثير القلق، لكن القلق الأكبر يجب أن يكون من الثقافة الاجتماعية التي ساهمت في الوصول إلى هذه المرحلة. فبينما يواجه الشباب تحديات اقتصادية صعبة، ما زال المجتمع يصر على إضافة أعباء جديدة لا علاقة لها بجوهر الزواج ولا بأهدافه الحقيقية.

تحول الزواج لدى كثير من الأسر من مشروع لبناء أسرة مستقرة إلى مناسبة اجتماعية ضخمة هدفها إثبات المكانة أمام الآخرين. أصبحت قيمة العريس أو العروس تُقاس أحيانًا بحجم الأثاث، وعدد الأجهزة الكهربائية، وقيمة الشبكة، ومستوى الحفل، لا بمدى التوافق الفكري والإنساني بين الطرفين. وكأننا أمام منافسة اجتماعية مفتوحة لا تنتهي، يدفع ثمنها الشباب والفتيات معًا.

ومن بين أكثر المظاهر إثارة للجدل قضية “القائمة” التي تحولت في كثير من الحالات من وسيلة لحفظ الحقوق إلى أداة ضغط متبادلة بين الأسر. وبعيدًا عن الجدل القانوني والديني حولها، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في العقلية التي تتعامل مع الزواج باعتباره صفقة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الضمانات المادية، بينما تتراجع قيم الثقة والتفاهم والشراكة إلى الصفوف الخلفية.

المفارقة أن كثيرًا من الأسر التي تضع شروطًا مبالغًا فيها تفعل ذلك بدافع الخوف من كلام الناس. الخوف من المقارنة، ومن الانتقادات، ومن الأحكام الاجتماعية الجاهزة. وهكذا يصبح المجتمع أسيرًا لدائرة مغلقة، الجميع يشكون من ارتفاع تكاليف الزواج، لكن الجميع يشاركون بدرجات متفاوتة في تكريس هذه التكاليف.

لا أحد يطالب بإلغاء الحقوق أو التقليل من قيمة تجهيز بيت الزوجية، لكن المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات. فالزواج في جوهره ليس معرضًا للأثاث، ولا مناسبة للاستعراض الاجتماعي، ولا اختبارًا للقدرة على الاقتراض وتحمل الديون. إنه مؤسسة إنسانية تقوم على المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة

لقد أثبتت التجارب أن البيوت لا تستقر بسبب فخامة البداية، كما أن الخلافات لا تُحل بزيادة عدد الأجهزة أو ارتفاع قيمة المقتنيات. الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يدرك الطرفان أن الحياة الزوجية شراكة طويلة تحتاج إلى تفاهم وصبر واحترام متبادل أكثر مما تحتاج إلى مظاهر براقة تزول قيمتها مع مرور الوقت.

إذا كنا نريد مواجهة أزمة تأخر الزواج بشكل جاد، فعلينا أن نبدأ بمراجعة الثقافة التي تحكم نظرتنا إليه. فالتيسير ليس تنازلًا عن الكرامة، والبساطة ليست دليلًا على العجز، وتقليل الأعباء لا ينتقص من قيمة أحد. بل ربما يكون الطريق الأقرب لبناء أسر أكثر استقرارًا ومجتمع أكثر توازنًا.

ويبقى السؤال: متى نتوقف عن بناء قراراتنا المصيرية على ما سيقوله الناس، ونبدأ في بنائها على ما تحتاجه حياتنا فعلًا؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...