الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

«دولة السنكري»… حين تحوّل الوهم إلى سلطة وانهارت كرامة السياسة اللبنانية

«أبو عمر السنكري» ليس حادثة احتيال عابرة، ولا نكتة سوداء في سجل السياسة اللبنانية، بل فضيحة مكتملة الأركان تكشف حجم الانحطاط الذي بلغته طبقة سياسية سلّمت قرارها الوطني لصوتٍ مجهول على الهاتف، فقط لأنه تكلّم بلهجة خليجية وادّعى تمثيل الديوان الملكي السعودي.

لسنوات، كان هذا “الأمير الوهمي” يتحرّك بحرية في صلب النظام السياسي، يوزّع الوعود ويبيع الأوهام ويقبض ملايين الدولارات، بينما نواب ووزراء وزعماء أحزاب ومفتين يتدافعون إلى بابه، لا للتحقّق، بل للتسوّل السياسي. لم يسأل أحد: من أنت؟ من فوّضك؟ أين مكتبك؟ لأن الحقيقة كانت محرجة: هؤلاء لا يريدون الحقيقة، بل يريدون ختمًا خارجيًا يبرّر فشلهم وعجزهم.

هذا الرجل لم يخدع السياسيين؛ السياسيون شاركوه الجريمة. صدّقوه لأنهم أبناء ثقافة الوصاية، لم يتحرّروا يومًا من عقدة “القرار يأتي من الخارج”. فصار صوت الديوان الوهمي أهم من إرادة الناس، وأصبحت المكالمة الهاتفية أقوى من الدستور.

الأكثر إذلالًا أن شخصيات من الصف الأول، تدّعي القرب من السعودية، لم تجرؤ على الاتصال بالسفير السعودي للاستيضاح. لماذا؟ لأن الوهم كان مريحًا، وكان يخدم الطموحات القذرة: مقعد نيابي، وزارة، رئاسة حكومة، أو حتى رئاسة جمهورية. هكذا تُدار الدولة: بالأكاذيب، وبالسمسرة، وبالتزوير السياسي.

وحين انكشفت الحقيقة، تبيّن أن “الأمير” ليس سوى مصطفى الحسيان، الملقّب بـ«السنكري»، حدّاد سيارات من عكار، لم يرَ قصرًا، ولم يقابل مسؤولًا سعوديًا. كان مجرد ممثل رديء في مسرحية سمجة، أدّاها سياسيون أغبياء أو فاسدون أو الاثنان معًا. صوتٌ مزيّف، لهجة مصطنعة، وطبقة سياسية صدّقت لأنها بلا كرامة سيادية.

الفضيحة لا تتوقّف عند المال. نحن أمام تزوير سياسي موصوف: إيحاء بتوجيهات سعودية غير موجودة، عبث بالاستشارات النيابية، ضغط على نواب في لحظات دستورية مصيرية. هذا ليس احتيالًا، بل جريمة بحق النظام السياسي والدستور والناس.

لا تحاولوا الهروب إلى شماعة «أبو عمر». هو ليس أصل المرض، بل عرض من أعراضه. المرض الحقيقي هو طبقة سياسية مستعدة لبيع البلد لأي وهم خارجي، طالما يمرّر مصالحها.

في النهاية، «أبو عمر السنكري» لم يخترق الدولة. الدولة كانت مستباحة. لم يضحك على السياسيين؛ هم من قرروا أن يكونوا أضحوكة. وهذه ليست قصة أمير وهمي، بل شهادة وفاة لسياسة فقدت كرامتها، وسياديين يتغنّون بالاستقلال وهم أول من تنازل عنه

 

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مفكراً عظيما ام ارعابياً

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لإكراه المسلمين في الشيوعية وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...