انكشاف البنية الأمريكية – الأزمة الداخلية وتراجع الهيمنة
1. التخبط السياسي والهزيمة المعنوية
يكشف سلوك الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وإدارته عن حالة من التخبط والارتباك تعكس هزيمة معنوية عميقة. فالتهديدات المتكررة بمحو «الحضارة الفارسية»، واستهداف المدنيين والبنية التحتية – من كهرباء وماء وجسور ومدارس ومستشفيات – ليست علامات قوة، بل هي علامات عجز ويأس.
إن اللجوء إلى التهديد بتدمير الحضارات ومعاقبة المدنيين هو اعتراف ضمني بالفشل في تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية. إنه سلوك الإمبراطوريات المنهارة التي تلجأ إلى العنف المفرط كتعويض عن فقدان السيطرة.
2. مأزق مذكرة التفاهم: انتهاء المهلة والصمت الرئاسي
على الصعيد التفاوضي، يبرز مشهد أكثر دلالة على المأزق الأمريكي: اليوم الاثنين 17 أغسطس/آب 2026، تنتهي مهلة الستين يوماً التي اتفق عليها الجانبان الإيراني والأمريكي في مذكرة التفاهم، دون أي تطبيق فعلي لبنودها.
وحين وُجّه إلى ترامب سؤال مباشر عن انتهاء المهلة، التزم الصمت متجاهلاً السؤال وكأنه لم يسمعه، في سلوك يكشف الإفلاس السياسي والارتباك الاستراتيجي، ويؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد تملك رفاهية الحسم، بل أصبحت تدير أزمة تفاوضية مفتوحة على كل الاحتمالات.
وهذا التجاهل الرئاسي ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل ترجمة عملية لفشل خيار الصدمة والترويع، ودليل إضافي على أن الوقت لم يعد يعمل لصالح واشنطن.
3. الموقف الإيراني الجديد: رفض العودة إلى المذكرة وإضافة شروط
ولم يعد الموقف الإيراني مجرد تمسك بالمهلة أو انتظار تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، بل تجاوزه إلى رفض العودة إليها من أساسها، وإضافة شروط جديدة تعكس تحول إيران من موقع المتلقي للشروط إلى موقع الشريك الذي يفرض معادلاته.
وقد سبق أن فصّلنا هذه الشروط في مقال سابق، وهي في مجملها تؤكد أن طهران لم تعد ترى في مذكرة التفاهم إطاراً ملزماً، بل مجرد محطة تفاوضية تجاوزها الزمن، بعد أن أدركت أن موازين القوى الميدانية والسياسية لم تعد كما كانت عند صياغتها.
4. تفكك حركة «ميجا» وانحدار التأييد الشعبي
وصل ترامب إلى أدنى مستويات التأييد الشعبي لرئيس أمريكي في مواجهة انتخابات التجديد النصفي. فحركة «ميجا» التي شكلت الرافعة الأولى لصعوده، بدأت تتفكك تحت وطأة التناقضات الداخلية والإخفاقات المتتالية.
إن القاعدة الشعبية التي كانت تؤمن بشعارات «أمريكا أولاً» بدأت تدرك أن هذه الشعارات لا تعني سوى الحروب والإنفاق العسكري المتزايد وتدهور مستوى المعيشة.
5. تداعي نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل «أيباك»
إن تداعي قوة «أيباك» – اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة – هو أحد أهم المؤشرات على التحولات البنيوية في السياسة الأمريكية.
فعلى مدى عقود، كانت «أيباك» قادرة على صياغة القرارات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط، وفرض أجندتها على الإدارات المتعاقبة. لكن هذا النفوذ بدأ يتآكل بشكل ملحوظ، تحت ضغط التحولات الديموغرافية والسياسية داخل الولايات المتحدة، وتصاعد الحركات المناهضة للحرب، والانقسامات داخل الحزب الديمقراطي.
6. تململ الحلفاء الأوروبيين
حتى الحلفاء الأوروبيون التقليديون، الذين طالما انقادوا للسياسات الأمريكية دون تذمر، بدأوا يحاولون الانفكاك من هذا «البرتقالي المعتوه» – كما يلقب ترامب في بعض الأوساط الأوروبية.
إن أوروبا، التي تدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً للحروب الأمريكية، تتوجس من الانقلاب الجيوسياسي الذي يطبخ على مهل بقيادة الصين وروسيا وإيران.
فالمشروع الصيني للحزام والطريق، والشراكة الروسية الصينية المتنامية، والتقارب الإيراني مع القوى الشرقية، كلها عوامل تدفع أوروبا إلى إعادة التفكير في تحالفاتها، والبحث عن مصالحها الخاصة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
7. استنزاف الترسانة العسكرية وتبخر المعدات
يضاف إلى الأزمات السياسية والداخلية الأمريكية أزمة عسكرية – لوجستية خطيرة: الاستنزاف الهائل للمخزونات من الصواريخ الاعتراضية والدفاعات الجوية، نتيجة الإفراط في استخدامها خلال الحروب الأخيرة، وبشكل خاص الحرب على إيران والدعم غير المحدود لأوكرانيا في مواجهة روسيا.
لقد وصلت هذه الاستنزافات إلى مستويات حرجة تهدد القدرة الأمريكية على خوض أي حرب طويلة الأمد.
فصواريخ «باتريوت» الاعتراضية، ومنظومة «ثاد» للدفاع الصاروخي عالي الارتفاع، والصواريخ متوسطة المدى، كلها شهدت استهلاكاً هائلاً خلال الأشهر الماضية، دون القدرة على إعادة الإنتاج بالسرعة المطلوبة.
وتشير تقارير مسربة من داخل البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية إلى أن المخزونات وصلت إلى مستويات مقلقة، وأن إعادة تعبئتها إلى المعدلات الطبيعية قد تستغرق سنوات، وليس أشهراً.
أما في إسرائيل، فالوضع أكثر حرجاً: فمخزون صواريخ القبة الحديدية، الذي يشكل خط الدفاع الأول ضد الصواريخ والمسيرات، تقلص إلى أقل من 1500 صاروخ اعتراضي وفق مصادر استخباراتية مسربة، وهو رقم لا يكفي لمواجهة حرب إقليمية شاملة، حيث تطلق آلاف الصواريخ في الأيام الأولى فقط.
هذه الأرقام تكشف أن «القوة العسكرية» الغربية التي لطالما تم الترويج لها كقوة لا تقهر، تعاني من هشاشة بنيوية، وأن أي حرب طويلة مع إيران ستؤدي إلى استنزاف كامل للترسانة الدفاعية الغربية في وقت قياسي، تاركة إسرائيل والقواعد الأمريكية مكشوفة أمام الضربات الصاروخية الإيرانية وأذرعها الإقليمية.
هذا التبخر في المعدات ليس مجرد مشكلة لوجستية، بل هو ضربة مباشرة لعقيدة الردع الغربية: فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل غير قادرتين على حماية أراضيهما وحلفائهما بسبب نقص الذخائر الاعتراضية، فإن الخيار العسكري ضد إيران يصبح مغامرة انتحارية غير محسوبة العواقب.


