بتنهيدةٍ تكادُ تفضحُ الشوق، يروي حسن أجملَ الأيام التي قضاها مع صديقه طوني فغالي، فيقول: “هذه الصداقة عمرُها يقارب العشرين عامًا، بدأت منذ حرب تموز عام 2006، حين اضطررنا إلى النزوح نحو بلدة وادي شحرور في قضاء بعبدا. يومها، كانت تلك المرة الأولى التي أزور فيها منطقةً مسيحية، فشعرتُ بغربةٍ كبيرة، وكنت أخاف شيئًا لا أعرفه، خوفًا صنعته الصور المسبقة والانقسامات التي زرعتها السنوات في النفوس.
كان طوني يومها واحدًا من أبناء البلدة الذين تطوّعوا لخدمة النازحين. شعر منذ اللحظة الأولى بأنني مرتبك وربما خائف، مع أنني حينها لم أكن قد بلغت الثامنة عشرة من عمري.
لكنّ طوني لم يتعامل معنا كنازحين، بل كأهلٍ وأقرباء. كان أخًا… وربما أكثر من أخ. فتح لنا باب بيته وقلبه، وساعدنا في كل شيء، حتى إنني وعائلتي لم نشعر يومًا أننا غرباء.
هناك، في ذلك البيت القديم بعفويّته الجميلة، حيث يتجاور القرآن مع الإنجيل، ويستقر «نهج البلاغة» على طاولة صغيرة في زاوية غرفة الاستقبال، اكتشفتُ للمرة الأولى أن الأوطان لا تحفظها السياسة وحدها، بل يحفظها الناس الطيبون.
على الجدار بروازان عملاقان؛ أحدهما للسيد المسيح والسيدة العذراء عليهما السلام، والآخر يحمل آياتٍ من القرآن الكريم، تتوسطها سورة الناس. كان طوني يبتسم وهو يشير إلى الغرفة قائلاً بلهجته البسيطة الصادقة: “هيدي الغرفة ما منسترجي نفوّت عليها مشروب… من باب الاحترام لقداسة هالرموز.” كلماتٌ تختصر أخلاق رجلٍ فهم الدين محبةً واحترامًا، لا خوفًا ولا تعصبًا.
أما الجلسات تحت شجرتَي الأفوكادو، فلها روايةٌ يعجز اللسان عن وصف دفئها. هناك، حيث تجتمع القلوب قبل الأجساد حول فنجان القهوة، يصبح الحديث أكثر من مجرد كلام؛ يصبح ذاكرةً حيّة تشبه الوطن حين يكون بخير.
وفي بيت طوني، تعلّمتُ أن الضيافة ليست طعامًا ولا قهوةً فقط، بل شعورٌ عميق بأنك بين أهلك. كان حسن الضيافة هناك راويًا يختصر معنى الإنسانية كلها.
انتهت الحرب، لكن العلاقة لم تنتهِ. بقيت الصداقة تكبر عامًا بعد عام، وكنت أزوره مرارًا. ولأنني لا أملك سيارة، كان ينزل بسيارته إلى منطقة كفرشيما ليقلّني إلى بيته، وكأن المسافة بيننا لم تكن يومًا جغرافيا، بل محبة خالصة لا تعرف الطوائف ولا الحواجز.
كبرنا، وتبدّلت السنوات، لكن شيئًا واحدًا لم يتبدّل: كلما ضاقت الدنيا، كنت أجد في صوت طوني طمأنينةً تشبه البيت الأول. وما زلت حتى اليوم، كلما مرّ الحديث على حرب تموز، لا أتذكر الدمار فقط، بل أتذكر أيضًا كيف يمكن للمحنة أن تصنع بين الناس محبةً أقوى من الحرب نفسها.
هناك، في وادي شحرور، لم تنشأ صداقةٌ عابرة بين شابَّين من بيئتين مختلفتين، بل وُلد يقينٌ عميق بأن لبنان الحقيقي لا يشبه نشرات الأخبار ولا خطابات الفتنة، بل يشبه بيتًا قديمًا يتجاور فيه القرآن والإنجيل بمحبة، ويجلس تحت أشجار الأفوكادو رجلان يختلفان في الطائفة، لكنهما يتشابهان في القلب.


