في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق عصرهم، أم بمنطق أهوائنا؟ وهل نقرأ التاريخ بعين الباحث، أم بعين الخصومة؟
أنتمي إلى الفكر القومي العربي، وأحب جمال عبد الناصر، لكنني لا أؤمن بعصمة البشر. فلا أراه نبياً، ولا إماماً منزهاً عن الخطأ، بل قائداً تاريخياً حمل مشروعاً نهضوياً كبيراً، اجتهد فأصاب في مواضع وأخطأ في أخرى، كما يفعل كل من يصنع التاريخ ولا يكتفي بالتفرج عليه.
لقد سعى عبد الناصر إلى بناء دولة بمفهوم حديث، وإلى تحرير أمة كانت ترزح تحت الاستعمار والتبعية، وغارقة في الجهل والمرض والانقسام. وكانت له إنجازات غيّرت وجه مصر وأعادت للعرب إحساسهم بالعزة والكرامة، كما كانت له أخطاء لا أنكرها ولا أبررها، لأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الرجال، بل يحررنا من عبادة الأشخاص.
لكن ما أرفضه هو أن يتحول النقد إلى تصفية حسابات مع التاريخ، أو أن يصبح جلد عبد الناصر هواية يمارسها من لم يبنِ دولة، ولم يحرر أرضاً، ولم يحمل مشروعاً، ولم يترك أثراً يوازي ما تركه الرجل، سلباً أو إيجاباً. فالتاريخ لا يكتبه المتفرجون، بل يصنعه الذين يملكون الجرأة على اتخاذ القرار، ثم يتحملون نتائج قراراتهم.
وأدعو من يكثرون من القدح أو المديح إلى أن يكتبوا مذكراتهم إن كانت لهم أدوار تستحق أن تُروى، لأن الأمم تتقدم بتراكم التجارب، لا باجترار الخصومات. وسيبقى التاريخ، لا الانفعال، هو الحكم الأخير على الرجال، يزنهم بميزان الإنجاز والإخفاق معاً، وفي ضوء ظروف زمانهم لا وفق أهواء من جاء بعدهم.
وأعيد التأكيد على أن الاختلاف حق، واحترامه واجب، وأن نهضة أمتنا لن تقوم إلا إذا تعلمنا أن نناقش الأفكار دون أن نحاكم النيات، وأن نقرأ التجارب دون أن نؤله أصحابها أو نشيطنهم.
ويبقى، في تقديري، أن جمال عبد الناصر رحل ولم يترك ثروة شخصية، ولم يورث الحكم لأبنائه، لكنه ترك قضية، ومشروعاً، وحلماً، وإرثاً سياسياً ما زال، بعد أكثر من نصف قرن، يثير كل هذا الجدل. وهذه، بحد ذاتها، علامة لا تُمنح إلا للشخصيات التي صنعت تاريخاً، ولم تكن مجرد هامش فيه.
ليس المطلوب أن نتفق على عبد الناصر، بل أن نتفق على شيء أكثر أهمية: أن الأمم التي تهدم كل رموزها، وتحتقر كل تجاربها، محكوم عليها أن تبدأ من الصفر في كل جيل.


