في ذكرى مرور أربع سنوات على وفاة أستاذي الغالي في جامعة القديس يوسف – معهد الآداب الشرقية – قسم الماجستير في التربية، البروفيسور إفرام بعلبكي، أستعيد اليوم بعضا من ذكرياتي معه، لا كأستاذ فقط، بل كصديق ومرشد وفيلسوف ترك في نفسي أثرا لا يزال حاضرا حتى اليوم.
عرفت المرحوم الغالي في تسعينيات القرن الماضي، وكان منذ اللقاء الأول نعم الأستاذ، ونعم الصديق، ونعم المرشد، ونعم الفيلسوف.
كان لقاؤنا الأول في مكتبه. لم يكن يعرفني، ولم تكن بيننا معرفة سابقة.
نظر إلي وقال:
«رلى، إنتِ قلبك كتير طيب وإحساسك مرهف.»
فقلت له، مستغربة:
«وعلى ماذا بنيت هذا الكلام؟»
قال:
«قرأت روحك.»
سألته:
«وكيف قرأت روحي؟»
فأجابني:
«من شباك روحك.»
قلت:
«وأين هو شباك روحي؟»
قال: «شباك الروح هو العيون.»
كانت تلك أول جملة تعلمتها منه.
ولم أكن أعرف يومها أنني سأتعلم منه، بعد ذلك، الكثير من الجمل التي لن تبق في ذاكرتي ككلمات، بل ستتحول إلى جزء من طريقة تفكيري ونظرتي إلى الإنسان والحياة.
كان البروفيسور إفرام بعلبكي يأخذنا، في شرحه، إلى ما هو أبعد من التربية وفلسفتها وآدابها. كان يأخذنا في رحلة فكرية تتجاوز البعد الفلسفي نفسه، ويضعنا أمام أسئلة لا تنتهي عند حدود المحاضرة أو الكتاب أو المنهج.
تعرفت، خلال رحلاتي الدراسية وتخصصاتي المتعددة، إلى عدد كبير من الأساتذة، ولكل منهم مكانته وأثره.
لكن العلم مع البروفيسور بعلبكي كان له طعم آخر ورؤية أخرى.
كان النقاش معه عميقا، مفتوحا، لا يصل إلى نهاية؛ بل كلما ظننت أنك وصلت إلى آخر الفكرة، فتح أمامك بابا أعمق منها.
كان يأخذك من السؤال إلى ما وراء السؤال، ومن الفكرة إلى جذورها، ومن المعرفة إلى معناها.
ولهذا، كانت محاضرته لا تنتهي بانتهاء الوقت.كنا نخرج من القاعة، لكن الأسئلة تبقى معنا. وربما هذه هي إحدى أجمل صفات الأستاذ الحقيقي: أن تنتهي المحاضرة، ولا ينتهي التفكير.
ولم يكن يحمل هم العلم وحده.
كان يحمل هم الطلبة، وهم الجامعة، وهم الإدارة، وكل ذلك بابتسامة هادئة، وبقدر كبير من اللطف والإنسانية.
في تلك الحقبة، كنت قد أنهيت أربعة تخصصات جامعية، وكنت أتابع تخصصات أخرى في مرحلة الاجازة ومرحلة الماجستير ، إلى جانب نشاطي الاجتماعي والسياسي، كوني كنت مرشحة للانتخابات، وكان مطلوبا مني إنجاز رسائل ماجستير في أكثر من جامعة.
كان ينظر إليّ أحيانا بشيء من القلق، ويقول
رلى، تعرضين نفسك لضغوطات مرتفعة جدا. بين تعدد الاختصاصات، وتعدد الجامعات، وتعدد المطلوب منك، ومشاركتك في الحياة السياسية ومشاركتك بالحياة الاجتماعية وانشطتك في مجال مساعدة الحيوانات … أرى أنك تتوسعين دون سقف، وهذا مرهق جدا. حاولي أن تتنازلي عن البعض، وركزي على البعض الآخر، وارحمي نفسك.»
كانت كلماته في ذلك الوقت تبدو لي نصيحة من أستاذ.
أما اليوم، وبعد مرور سنوات، فأدرك أنها كانت أبعد من ذلك بكثير.
كانت قراءة لإنسانة أمامه، ومحاولة لأن يلفت انتباهي إلى شيء ربما كنت، وسط اندفاعي وطموحي، عاجزة عن رؤيته.
وهنا يكمن الفرق بين الأستاذ الذي يلقن، والأستاذ الذي يرى.
لقد كان يرى الطالب قبل أن يرى المادة. ويرى الإنسان قبل أن يرى الشهادة. ويرى ما وراء السلوك الظاهر، ويحاول أن يفهم الدوافع والقدرات والحدود، لا أن يكتفي بما هو مكتوب أمامه.
أنا مدينة له بفضل كبير جدا في تنمية شخصيتي وتطورها، وفي توسيع معارفي، ولا سيما في الجانب الفكري والفلسفي.
ولن أنسى أبدا تعليمه لنا، وتشديده وحرصه على تمكيننا من معرفة الأخطاء الشائعة في اللغة، وعلى استخدام اللغة، لغتنا العربية بدقة ووعي.
كان يهتم بالتفاصيل الصغيرة كما يهتم بالقضايا الكبرى؛ لأن المعرفة عنده لم تكن مجرد أفكار كبيرة، بل كانت أيضا دقة في التعبير، ونزاهة في التفكير، واحتراما للعقل واللغة.
خلال سنوات الدراسة، نلتقي أساتذة كثيرين.
نتعلم منهم، نختلف معهم، نناقشهم، ثم تمضي السنوات.
نتخرج، تتغير حياتنا، وتتباعد الطرق. لكن بعض الأساتذة لا يغادرون حقا. يبقون في طريقة تفكيرنا، في بعض العبارات التي نستعيدها دون أن نشعر، وفي الأسئلة التي زرعوها فينا ولم نجد لها جوابا واحدا ونهائيا.وربما لا يدرك الأستاذ، وهو واقف أمام طلابه، كم يمكن لكلمة منه أن تبقى في ذاكرة أحدهم لعشرات السنين.
قد ينسى الطالب تفاصيل محاضرة كاملة، لكنه لا ينسى أستاذا جعله يشعر أن عقله يستحق أن يصغى إليه. وقد ينسى عنوان كتاب، لكنه يتذكر من فتح أمامه بابا جديدا في المعرفة.وهذا هو الأثر الذي لا تمنحه الشهادات ولا الألقاب.
إنه الأثر الإنساني.
بعد أربع سنوات على رحيله، أجدني أعود إلى تلك الذكريات وكأنها لم تصبح بعيدة كما يفترض للسنوات أن تجعلها.
ربما لأن بعض الأشخاص لا تقيسهم السنوات. هناك أشخاص يمرون في حياتنا كمرحلة وتنتهي. وهناك أشخاص يتركون شيئا منهم فينا، فنحمل أثرهم معنا أينما ذهبنا.
البروفيسور إفرام بعلبكي كان من هؤلاء.
لم يكن مجرد أستاذ درست عنده. كان أحد أولئك الذين تركوا بصمة في طريقة تفكيري، وفي نظرتي إلى المعرفة، وفي فهمي للإنسان. ولهذا، بعد أربع سنوات من غيابه، لا أستطيع أن أقول فقط: رحمك الله يا أستاذي.بل أقول أيضا:
شكرا لأنك رأيت فيّ شيئا ربما لم أكن أراه في نفسي يومها.
شكرا على العلم.
شكرا على الفكر.
شكرا على النقاشات التي لم تكن تنتهي.
وشكرا قبل كل شيء، على إنسانيتك.
فبعض الأساتذة يعلموننا مادة…
وبعضهم يعلموننا التفكير…
أما القليلون جدا، فيتركون فينا أثرا يجعلنا نكتشف، بعد سنوات، أننا لم نكن نتعلم منهم فقط…
بل كنا نتعلم أنفسنا.
وربما لهذا، حين أتذكر جملتك الأولى لي:
«شباك الروح هو العيون»
أفهم اليوم أكثر مما فهمت يومها، أن بعض الناس لا يكتفون بالنظر إلينا… بل يروننا.
وحضرتك كنت، يا أستاذي الغالي، من أولئك الذين رأوا.
رحمك الله بقدر ما تركت من علم، وفكر، ومحبة، وأثر في نفوس من عرفوك.
ستبقى في الذاكرة… بعض الأساتذة تنتهي محاضراتهم، لكنهم لا يغادرون
الله يرحمك ويجعل مثواك الجنة ..تركت في قلبنا وروحنا غصة


