«الفتنة أشد من القتل»… معظمنا يعرف هذه القاعدة قولاً، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف نطبقها فعلياً حتى نصلح الاعوجاج ونسلك طريق الخلاص؟
ما عمق هذا المرض الذي أصاب مجتمعاتنا؟ وكيف تعزز عبر السنوات؟ وهل يمكن الاستفادة من تجارب تاريخية نجحت في تجاوز الحروب والانقسامات، ليس لتطبيقها بحذافيرها، وإنما لاستخلاص ما يصلح لبيئتنا ومجتمعاتنا، والتفكير في حلول قادرة على صناعة أجيال أكثر سويّة وأبعد عن الكراهية والتمييز؟
قبل التعمق في الحلول التي يمكن أن تناسب مجتمعاتنا، لا بد من التوقف عند تجربة حديثة تحمل الكثير من العبر والدروس: رواندا، من حرب إبادة جماعية إلى «سنغافورة أفريقيا».
صحيح أن الحرب الأهلية في رواندا بدأت عام 1990، واستمرت ثلاث سنوات، وانتهت بإبادة جماعية عام 1994 استمرت نحو ثلاثة أشهر، قُتل خلالها حوالي 800 ألف رواندي وفق تقديرات الأمم المتحدة، فيما قدرت الحكومة الرواندية عدد الضحايا بأكثر من مليون شخص.
لكن جذور الانقسام لم تبدأ في التسعينيات. فالتمييز بين أبناء الشعب الرواندي تعود جذوره إلى عام 1916، عندما وصل الاستعمار البلجيكي إلى البلاد بعد الحقبة الألمانية. واعتمد المستعمر سياسة تقوم على الفصل والتمييز، فمنح امتيازات لعرق «التوتسي»، في حين قمع «الهوتو» واستغل أفراده وشغّلهم في مزارع جرى الاستيلاء عليها.
وهكذا لم تكن الإبادة الجماعية وليدة لحظة واحدة، بل كانت نتيجة تراكم طويل من التمييز والتحريض والانقسام، حتى تحول الاختلاف بين أبناء الوطن إلى صراع دموي كارثي.
لكن السؤال الأهم هو: كيف استطاعت رواندا تجاوز تبعات الفتنة والإبادة الجماعية؟
اعتمدت رواندا مجموعة من الإجراءات التي يمكن التوقف عندها والاستفادة من بعض جوانبها.
أولاً، اعتمدت العدالة الانتقالية من خلال محاكم «غاتشاتشا» التقليدية، التي شكلت وسيلة للتعامل مع العدد الهائل من المتهمين بالجرائم. وقد قامت هذه المحاكم على مواجهة الجناة للضحايا، والاعتراف بالجرائم وطلب العفو، مقابل تخفيف الأحكام في بعض الحالات، كما استُبدلت العقوبات الطويلة بالسجن، في حالات كثيرة، بأعمال خدمة عامة ساهمت في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
ثانياً، عملت رواندا على إلغاء الهوية العرقية وتجريم الطائفية وخطاب الكراهية. فتم تعديل الدستور، وأُلغيت الإشارة الإثنية من بطاقات الهوية الرسمية، وجُرّم كل خطاب يحرض على الكراهية أو التمييز العرقي، تحت شعار واضح: «نحن جميعاً روانديون».
ولم تكتفِ الدولة بالقوانين، بل سعت إلى خلق مساحات للتعايش والمصالحة، ومنها قرى نموذجية للمصالحة يعيش فيها أهالي الضحايا إلى جانب الجناة السابقين، بهدف تحويل التعايش من شعار إلى ممارسة يومية.
ثالثاً، أدركت رواندا أن المصالحة لا يمكن أن تستمر من دون إعادة بناء عقل الإنسان، ولذلك أعطت التربية والتعليم دوراً أساسياً في مواجهة الكراهية.
أُعيد النظر في المناهج التعليمية، واعتمدت التربية على السلام والقيم، بهدف بناء عقلية طفل يصعب دفعها في المستقبل نحو الكراهية والعنف. كما جرى العمل على تقديم تاريخ موحد ومنقح من أيديولوجيات التمييز، حتى لا تتحول المدرسة إلى مكان لإعادة إنتاج الانقسامات القديمة.
وهنا تكمن واحدة من أهم الدروس: لا يمكن معالجة الفتنة بالقوانين وحدها، ولا بالمحاكم وحدها، ولا بالشعارات وحدها.
فالفتنة تبدأ من فكرة، ثم تتحول إلى خطاب، ثم إلى سلوك، وقد تنتهي بحرب ومذابح. ولذلك فإن مواجهتها يجب أن تبدأ من الإنسان نفسه، ومن المدرسة والأسرة والإعلام والدولة، أي من كل الأماكن التي يتشكل فيها وعي الفرد والمجتمع.
ومن هنا يمكن الانتقال من تجربة رواندا إلى واقع مجتمعاتنا.
من المسلمات التي لا جدال فيها أن الاستعمار الغربي لعب دوراً أساسياً في زرع وتعميق أشكال متعددة من التمييز، واعتمد سياسة «فرق تسد» لتثبيت سيطرته وتمكين نفوذه.
لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما نعانيه اليوم لا يكفي. فبيئتنا نفسها أصبحت، بشكل أو بآخر، حاضنة لبعض الأفكار التمييزية التي أنتجت فِتناً وحروباً ومذابح وانقسامات لا تزال آثارها قائمة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من زرع الفتنة؟
بل: من المسؤول اليوم عن اقتلاعها؟
المسؤولية تبدأ من الدولة ومؤسساتها، ثم الإعلام، ثم كل فرد في المجتمع.
ولكي نبني أوطاناً لا تشوبها أمراض الفتنة والتفرقة والتمييز، لا بد من مشروع وطني متكامل يضع الوطن أولاً، ويعيد الاعتبار إلى مفهوم المواطنة، ويعمل على إزالة الأسباب التي تجعل الانتماء الطائفي أو المذهبي أو العرقي يتقدم على الانتماء الوطني.
فالدول التي يكون داخلها منخوراً تصبح أكثر عرضة للأخطار الخارجية، لأن المجتمع المنقسم يكون أضعف في مواجهة أي تحدٍ يأتي من الخارج.
لذلك فإن التحدي الأول لأي دولة هو تحصين الداخل.
وتحصين الداخل لا يكون بالقوة الأمنية وحدها، بل بإقامة دولة رشيدة وواعية، تملك الحكمة والضمير الحي، وتستطيع أن تنهض بوطن موحد، وأن تواجه الفتن قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الأصعب: كيف نرفع راية الوطن فوق كل الانتماءات الفئوية؟ وما الذي يجب أن تفعله الدولة؟ وما الدور الذي يجب أن يؤديه الإعلام؟ وهل يستطيع الفرد أن يبدأ بنفسه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير؟
هذه هي الخطوة التالية في طريق الخلاص.
يتبع في الحلقة الثانية


