السبت، 22 أغسطس 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

المنطقة تقترب من أخطر مراحل التصعيد...هل تنتقل المواجهة إلى حرب على الطاقة؟

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد حرب صواريخ ومسيرات ورسائل سياسية متبادلة. المنطقة دخلت مرحلة أخطر بكثير، عنوانها الطاقة والممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وهي مرحلة إذا انفلتت من الحسابات السياسية والعسكرية فقد لا يبقى أحد في الشرق الأوسط بمنأى عن تداعياتها.

ما يجري في مضيق هرمز ليس تفصيلاً عسكرياً عابراً. فحركة السفن عبر هذا الممر الحيوي تراجعت بصورة حادة، وفي 20 آب لم تعبر المضيق سوى سبع سفن للسلع، بينما كان يمر عبره قبل الحرب ما يقارب خمس حركة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

إذا تحوّل الضغط على الملاحة إلى استهداف مباشر لمنشآت الطاقة، فإن قواعد اللعبة ستتغير بالكامل. فالمواجهة لن تعود محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستطال دول الخليج، والمنشآت النفطية، ومصافي التكرير، ومحطات الكهرباء، ومرافق تحلية المياه، وسلاسل الإمداد العالمية.

وقد ظهرت بالفعل مؤشرات شديدة الخطورة على هذا المسار. فقد اتهمت الإمارات إيران بمهاجمة سفن تابعة لشركة «أدنوك» أثناء عبورها مضيق هرمز، فيما أدت الهجمات والاضطرابات إلى ارتفاع مخاطر الملاحة وكلفة الشحن وتعطيل حركة الطاقة.

والأخطر أن الحرب بدأت تُنتج آثاراً اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة. فقد ارتفع سعر خام برنت مجدداً إلى نحو 93 دولاراً للبرميل، فيما أدت اضطرابات الإمدادات إلى إبقاء أسعار الطاقة تحت ضغط متصاعد. وتشير تقديرات حديثة إلى أن أكثر من 20% من طاقة التكرير في الشرق الأوسط أصبحت خارج الخدمة، الأمر الذي يجعل أزمة الوقود العالمية أكثر خطورة من مجرد نقص مؤقت في النفط الخام.

وهنا يجب أن يتوقف الجميع أمام السؤال الأخطر: ماذا لو انتقلت الحرب من استهداف الجيوش إلى استهداف البنية التحتية للطاقة؟

ضربة واحدة على منشأة نفطية كبرى قد ترفع الأسعار، ولكن سلسلة ضربات على منشآت متعددة قد تؤدي إلى أزمة عالمية في الإمدادات. أما استهداف محطات الكهرباء أو تحلية المياه في الخليج، فسيكون أخطر من الناحية الإنسانية والاستراتيجية، لأن الكهرباء والمياه في هذه الدول مرتبطتان بصورة مباشرة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وقد حذرت تقارير سابقة من أن ضرب منشآت تحلية المياه في الخليج يمكن أن تكون له تداعيات كارثية، نظراً إلى اعتماد دول خليجية بدرجات كبيرة على هذه المنشآت لتأمين مياه الشرب.

إيران من جهتها وجّهت بالفعل تحذيرات بأنها قد تستهدف بنى تحتية حيوية في دول الخليج إذا تعرضت لهجوم أميركي جديد، وهو تهديد يفتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة: أن تصبح منشآت الطاقة نفسها رهينة في معركة كسر الإرادات.

لكن السؤال الذي يجب طرحه ليس فقط: من يستطيع ضرب منشآت الآخر؟

السؤال الحقيقي هو: من يستطيع تحمّل نتائج ذلك؟

واشنطن تستطيع توجيه ضربات عسكرية هائلة، وإيران تستطيع تهديد الممرات البحرية واستخدام أدواتها الإقليمية، لكن تدمير منشآت الطاقة لن يكون انتصاراً نظيفاً لأي طرف. فالخسارة ستنتقل سريعاً من ساحات القتال إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى المصانع والمواصلات والغذاء، ومن الاقتصاد إلى حياة المواطن في مختلف أنحاء العالم.

ولهذا فإن الخطر الأكبر ليس في أن يقرر طرف ما إشعال حرب شاملة، بل في أن تتراكم الضربات والردود حتى تصبح الحرب أكبر من قدرة أصحاب القرار على السيطرة عليها.

وهذا السيناريو ليس افتراضاً نظرياً بالكامل. فالمواجهات الحالية أدت بالفعل إلى اضطراب شديد في حركة الطاقة، وإلى إعادة توجيه ناقلات النفط والغاز، فيما بدأت شركات شحن صينية كبرى تتجنب مضيقي هرمز وباب المندب بسبب المخاطر الأمنية، وهو مؤشر على أن آثار الحرب أصبحت تضرب بنية التجارة العالمية نفسها.

والأخطر أن المفاوضات لم تعد تمنح الأسواق الطمأنينة نفسها. فقد توقفت جهود التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، بينما أعلنت واشنطن عن تصعيد اقتصادي جديد ضد طهران، في وقت لا تزال فيه حركة الملاحة في هرمز عند مستويات شديدة الانخفاض.

نحن إذاً أمام مفترق طرق.

إما أن تدرك القوى الكبرى أن حرب الطاقة لا رابح فيها، وأن استمرار التصعيد سيحوّل الشرق الأوسط إلى مركز أزمة اقتصادية عالمية، وإما أن يستمر منطق الضربة والضربة المضادة حتى يصل الجميع إلى نقطة يصعب بعدها العودة.

وفي هذه اللحظة تحديداً، لا يجوز للدول العربية أن تتعامل مع ما يجري وكأنه حرب بعيدة عنها. فالمواجهة تدور في جوارها، والطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي موجودة في قلب هذه المنطقة، والممرات البحرية التي تحملها تمر عبر مياهها.

أما لبنان، فعليه أن يفهم أن أي توسع كبير في الحرب لن يكون مجرد خبر على شاشات التلفزيون. ارتفاع أسعار الوقود، اضطراب التجارة، كلفة النقل، الضغط على الدولار، وتراجع القدرة الشرائية ستكون جميعها أبواباً إضافية للأزمة اللبنانية.

المنطقة أمام اختبار تاريخي.

فالخطر لم يعد فقط في أن تندلع حرب إقليمية جديدة، بل في أن تتحول الطاقة إلى سلاح، والممرات البحرية إلى ساحات حرب، والاقتصاد العالمي إلى رهينة لصراع لا يعرف أحد أين ينتهي.

ولهذا فإن الساعات والأيام المقبلة لا تستحق المراقبة فقط، بل تستحق أعلى درجات الحذر.

لأن الحرب عندما تصل إلى النفط والكهرباء والمياه والممرات البحرية، لا تعود حرباً بين دول فقط… بل تصبح أزمة تهدد حياة واقتصاد العالم بأسره.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "هرمز"الأخيرة على الأبواب

رغم أن أدوار الوساطة الباكستانية والقطرية وغيرها لا تتوقف ، فإن فرص العودة إلى مفاوضات واشنطن وطهران تتراجع ، واحتمالات الذهاب إلى حرب ضارية مجددة تتصاعد ، وبالذات بعد انقضاء فترة...

قرار وآثار

من المعروف أن تراكم الظلم يولد انفجار، وهي تشكل أول شرارة للثورات لدى الشعوب التي ترزح طويلا تحت الاحتلال والاستعمار. صدقا سألت نفسي السؤال التالي: هل ٧ أكتوبر كانت خطوة غير...

نصر موهوم لهزيمة محققة علي الطاهر... حين عميت عين العدو.

في الثالث من تشرين الأول اكتوبر عام ٢٠٢٤، استهدف العدو الإسرائيلي مكان تواجد الأمين العام لحزب الله، السيد الشهيد هاشم صفي الدين. ويُعتبر استهداف السيد هاشم من أكبر استهدافات...

الفساد لا يسرق المال فقط… بل يسرق المستقبل

الفساد أخطر بكثير من أن يكون مجرد سرقة مال عام أو صفقة مشبوهة. المال يمكن تعويضه، والمبنى يمكن إعادة بنائه، والمشروع يمكن استكماله. لكن حين يسرق الفساد إيمان الإنسان بأن العدالة...

ترامب والخليج: حرب "لا ناقة لهم فيها ولا جمل" أم إعادة رسم توازنات؟

منذ 28 يوليو 2025، دخلت العلاقة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودول الخليج العربي منعطفاً خطيراً. تهديدات بضرب البنية التحتية الإيرانية، وردود إيرانية تلوح باستهداف منشآت...

رحل سميح القاسم.... رحل شاعر العرب

رحل عنا  الشاعر، رحل عنا الأديب، رحل عنا الروائي، رحل عنا الاعلامي، رحل عنا  المسرحي، رحل عنا الكبير، رحل عنا  شاعر العرب، رحل عنا سميح القاسم “أبو محمد” ليلقى رفيق...