السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
22°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في وداع زياد...

في وداع زياد الرحباني شعرت أنّ تاريخاً قد ووري، استحال رماداً بعدما «شرقط» إبداعاً، وحفر عميقاً في أرض الواقع، ليستخرج منها صورة واقعية لوطن متهالك سحقته «شعوبه» المتناحرة – المتنافرة التي تستظل علماً تعلّقت به بحكم العادة، وتلهج بنشيد ألفت كلماته واستكانت للحنه فحسب.

لم نكن «كلنا للوطن». زياد الرحباني صاغ من الوجع تاجاً للمهمّشين، ومن المعاناة صولجاناً للمعذبين، إختصرت حنجرته حناجرهم، فكان صرختهم، واجتمعت أناملهم في أنامله فعزف على مفاتيح «البيانو» مقطوعة الوطن المنكوب بأبنائه الذين أدركهم خدر «المعليشية» و«يصطفلو».

كان زياد «كافراً»، لكنه لم يكن كذلك لولا الجوع. وكان… كان ثائراً لا حباً بالثورة وسعياً وراءها، بل لأنّ كل شيء في لبنانه يدعو إلى الثورة. عمل في فنه على تحطيم صورة «لبنان الرحابنة» وصورة «لبنان سعيد عقل» الذي كان سنداً لمدرستهم، لا رفضاً لهذه الصورة، بل كان يرى نقيضها في يوميات اللبنانيين وسلوكياتهم. شيئيات المادة، وقشور الحداثة البعيدة من أصالة التراث دمّرت مسرح القرية، حقولها، أزقتها، وخطفت براءة الطفولة، وفورة الشباب، وعنفوان الرجال، ولم يتبق سوى الحلم. سخرية زياد من نموذج «الوطن الرحباني» لم يكن بدافع النفي والإنكار، إنما لبقائه وطناً هيولياً لا وجود له على أرض الواقع. هذا «الكافر» أعطى الكنيسة الحاناً تصل الأرض بالسماء، تمجّد عظمة الخالق بموسيقى علوية تحمل المستمع إلى دنى لا يحوطها خيال، ولا يدانيها جمال: «كيرياليسون»، «المجد لك أيها المسيح». هو مجد المسيح الذي قرأ على قسمات وجهه علامات الإنسان المستضعف، المعذب، المقهور، الذي يختلط دمه بعرقه، كما يختلط الدم والماء في تقديس القربان، خبز الحياة.

 

إنّ الغائص في أعماق شخصية زياد يتبين له أنّه كان وفياً لمبادئه وقناعاته ولم يبدّل تبديلاً، ولو تنوعت أساليب التعبير عنها في مسرحياته، ألحانه وأغانيه. لكنه كان كثير الوفاء لفيروز الأُم، فيروز الأُسطورة، فيروز الألم الساكت على ذكريات وجروح، المبحرة في الوجع الذي يتبركن في داخلها من دون أن تحني الرأس أو ترفع بيارق الاستسلام. «وحدن» فيروز وزياد غزلا من حرير الدمع «عباءة» الأمل المنتظر على قارعة رصيف لبنان المتعثر في زمن الانكسارات. مضى زياد بقرار منه… بملء وعيه خط السطر الأخير في كتاب الرحيل الآتي من نداءات روح تريد أن تتحرّر من كفنها الجسماني، لتنطلق بعيداً… وضع أصبعه في جروح كثيرة، تعبت هذه الإصبع ولم يتوقف النزف… برم بدنياه… ألقى عصاه وخلد إلى رقاد أراده أبدياً هذه المرّة.

 

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...