الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لماذا يبدو التمثيل النيابي لبيروت ضعيفًا؟

لا يمكن اختزال ضعف التمثيل النيابي لبيروت بأسماء النواب وحدهم، ولا بإلقاء اللوم على أشخاص منتخبين قدّموا ما استطاعوا ضمن هامش ضيّق من التأثير. المشكلة أعمق بكثير، وهي بنيوية، تبدأ من قرار الناخب البيروتي نفسه، وتنتهي عند عجز المدينة عن إنتاج طبقة سياسية تُشبه ثقلها الحقيقي كعاصمة.

بيروت لا تُعاني من نقص في الكفاءات، لكنها تُعاني من فقرٍ في القرار الانتخابي الواعي. فأبناء المدينة، بدل أن يصنعوا مشروعًا سياسيًا جامعًا يُعبّر عن مصالحهم كعاصمة، وقعوا في فخّ الارتجال، والعصبية الضيّقة، والحنين إلى الزعامات، فتكرّس تمثيلٌ هشّ لا يملك القدرة على مواجهة كتل نيابية جاءت من مناطق تُنظِّم نفسها على أساس مشروع واضح ولو كان فئويًا.
والمشكلة لا تتوقف عند السلوك الانتخابي فحسب، بل تتجسّد في غياب العناصر العلمية والتنظيمية التي تقوم عليها أي تجربة سياسية ناضجة. فنحن نفتقر إلى العمل السياسي المؤسسي المبني على التخطيط والدراسات لا على ردود الفعل. نفتقر إلى مراكز بحث تُحلّل الواقع البيروتي اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا وتحوله إلى برامج واضحة. نفتقر إلى مدارس لإعداد الكوادر السياسية تفهم التشريع والإدارة وإدارة الصراع السياسي، كما نفتقد إلى التنظيم الهرمي الشفاف القائم على توزيع المسؤوليات والمساءلة بدل العلاقات الشخصية والولاءات العابرة.
وهنا تقع المسؤولية المباشرة على الناخب البيروتي.
فهو ليس ضحيةً فقط، بل شريكًا في النتيجة، هو من يشرّع الضعف عندما يصوّت بلا رؤية، وهو من يقوّي الهشاشة حين يتمنع عن المشاركة، وهو من يُكرّس الرداءة حين يقدّم الولاء على الكفاءة. فلا يمكن لبيروت أن تقوم ما دام ابناءها يتعاملون مع أصواتهم كموقف عاطفي لا كأداةِ تغيير.
المفارقة القاسية أنّ الضعف لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. من البيارتة أنفسهم. من مجتمع سياسي يفاخر بثقافته وانفتاحه ووعيه، لكنه عند صندوق الاقتراع يتخلّى عن مسؤوليته التاريخية، ويصوّت بلا بوصلة، أو يمتنع حين يجب أن يحضر
الخلل الحقيقي أنّ المدينة التي قدّمت نفسها يومًا كعقل لبنان، باتت عاجزة عن إنتاج كتلة نيابية تفرض حضورها، وتفرض شروطها، وتُجبر السلطة على احترام موقعها

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...