الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لماذا يبدو التمثيل النيابي لبيروت ضعيفًا؟

لا يمكن اختزال ضعف التمثيل النيابي لبيروت بأسماء النواب وحدهم، ولا بإلقاء اللوم على أشخاص منتخبين قدّموا ما استطاعوا ضمن هامش ضيّق من التأثير. المشكلة أعمق بكثير، وهي بنيوية، تبدأ من قرار الناخب البيروتي نفسه، وتنتهي عند عجز المدينة عن إنتاج طبقة سياسية تُشبه ثقلها الحقيقي كعاصمة.

بيروت لا تُعاني من نقص في الكفاءات، لكنها تُعاني من فقرٍ في القرار الانتخابي الواعي. فأبناء المدينة، بدل أن يصنعوا مشروعًا سياسيًا جامعًا يُعبّر عن مصالحهم كعاصمة، وقعوا في فخّ الارتجال، والعصبية الضيّقة، والحنين إلى الزعامات، فتكرّس تمثيلٌ هشّ لا يملك القدرة على مواجهة كتل نيابية جاءت من مناطق تُنظِّم نفسها على أساس مشروع واضح ولو كان فئويًا.
والمشكلة لا تتوقف عند السلوك الانتخابي فحسب، بل تتجسّد في غياب العناصر العلمية والتنظيمية التي تقوم عليها أي تجربة سياسية ناضجة. فنحن نفتقر إلى العمل السياسي المؤسسي المبني على التخطيط والدراسات لا على ردود الفعل. نفتقر إلى مراكز بحث تُحلّل الواقع البيروتي اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا وتحوله إلى برامج واضحة. نفتقر إلى مدارس لإعداد الكوادر السياسية تفهم التشريع والإدارة وإدارة الصراع السياسي، كما نفتقد إلى التنظيم الهرمي الشفاف القائم على توزيع المسؤوليات والمساءلة بدل العلاقات الشخصية والولاءات العابرة.
وهنا تقع المسؤولية المباشرة على الناخب البيروتي.
فهو ليس ضحيةً فقط، بل شريكًا في النتيجة، هو من يشرّع الضعف عندما يصوّت بلا رؤية، وهو من يقوّي الهشاشة حين يتمنع عن المشاركة، وهو من يُكرّس الرداءة حين يقدّم الولاء على الكفاءة. فلا يمكن لبيروت أن تقوم ما دام ابناءها يتعاملون مع أصواتهم كموقف عاطفي لا كأداةِ تغيير.
المفارقة القاسية أنّ الضعف لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. من البيارتة أنفسهم. من مجتمع سياسي يفاخر بثقافته وانفتاحه ووعيه، لكنه عند صندوق الاقتراع يتخلّى عن مسؤوليته التاريخية، ويصوّت بلا بوصلة، أو يمتنع حين يجب أن يحضر
الخلل الحقيقي أنّ المدينة التي قدّمت نفسها يومًا كعقل لبنان، باتت عاجزة عن إنتاج كتلة نيابية تفرض حضورها، وتفرض شروطها، وتُجبر السلطة على احترام موقعها

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...