السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
24°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ليست فجوةً ماليّة… إنّها أكبر سرقةٍ مُقنَّنة في تاريخ لبنان

هل هناك احتمال بإسقاط حكومة سلام في الشّارع بعد إقرار قانون الفجوة الماليّة؟
الاحتمال قائم، لكنّه غير تلقائيّ. فالشّارع اللّبنانيّ منهك، ومفتّت، ومجروح بتجارب الخذلان، ويفتقد إلى قيادة جامعة قادرة على تحويل الغضب إلى فعلٍ ضاغطٍ مستدام. غير أنّ إقرار قانون الفجوة الماليّة، إذا جاء بصيغة تُحمِّل المودعين العبء الأكبر وتُبرِّئ المصارف والسّياسات الّتي صنعت الانهيار، قد يشكّل شرارةً خطيرة، لا انتفاضةً شاملة، بل موجات غضب موضعيّة قابلة للتوسّع، إذا ترافقت مع صدمةٍ معيشيّة أو ماليّة إضافيّة. الخطر الحقيقيّ على الحكومة لا يكمن في الشّارع وحده، بل في تآكل شرعيّتها الأخلاقيّة إذا ثَبُت أنّها غطّت شطب الحقوق بقانون.
هل ستشطب الدّولة أموال المودعين؟
الحقيقة أكثر قسوة ممّا يُقال. فجزء كبير من أموال المودعين شُطِب بالفعل، لا بنصٍّ تشريعيّ، بل عبر التّضخّم، والتّقييد القسريّ، والاستنسابيّة الفاضحة. أمّا قانون الفجوة الماليّة، فإن أُقِرّ بصيغته القاسية، فهو لا “يشطب” الأموال مباشرة، بل يُقنِّن الشّطب، ويحوّله من جريمة ماليّة إلى واقعٍ قانونيّ مُشرعن. الخطر لا يكمن في المصطلحات، بل في تكريس خسارة المودع كأمرٍ نهائيّ، مقابل حماية منظومة المصارف والدّين العامّ من أيّ محاسبة جدّيّة.
هل ستستدرك الحكومة الخطر قبل فوات الأوان؟
نظريًّا، القدرة موجودة. أمّا عمليًّا، فالإرادة موضع شكٍّ عميق. فالاستدراك الحقيقيّ لا يكون بتعديلاتٍ شكليّة، ولا بخطاباتٍ تطمينيّة، بل بإجراءاتٍ واضحة لا تقبل الالتفاف، توزيعٍ عادلٍ للخسائر، تحميل المصارف والدّولة مسؤوليّتهما الكاملة، وحماية صغار ومتوسّطي المودعين بنصٍّ صريح لا يُفرَّغ لاحقًا. إن لم تفعل الحكومة ذلك، فهي لا تؤجّل الانفجار، بل تُعيد جدولة الانهيار.
لكنّ الحقيقة الّتي يُراد الهروب منها أبسط وأخطر في آنٍ معًا..ليست خسائر… إنّها سرقةٌ مُقنَّنة تُرتَكَب على مرأى دولةٍ تعرف، وتُشرِّع، وتوقّع.
ما يُحضَّر اليوم تحت عنوان “الفجوة الماليّة” ليس إجراءً إنقاذيًّا، بل جريمة ماليّة كاملة الأركان، يُراد لها أن تمرّ بالقانون بعد أن نُفِّذت بالفعل بالقوّة. أموال المودعين لم تتبخّر، ولم تضِع في الفراغ، بل نُقِلَت، وصُرِفَت، وحُمِيَت سياسيًّا. ومع ذلك، يُطلَب من الضحيّة أن تتحمّل النّتيجة، وأن توقّع على تنازلٍ قسريّ عن تعب عمرها، باسم الاستقرار وبذريعة الإصلاح. هذا ليس توزيع أعباء، بل قلبٌ فاضح للعدالة.
الأخطر من السّرقة نفسها هو شرعنتها. حين تُحوَّل الجريمة إلى مادّةٍ قانونيّة، ويُستبدَل الحقّ بنصّ، والمحاسبة بتسوية، نكون أمام دولةٍ تخلّت عن جوهرها، واختارت حماية المنظومة على حساب المجتمع. أيّ قانون يُسقِط أموال النّاس ليُبرِّئ المصارف، وأيّ حكومة توقّع على شطب الحقوق بدل استعادتها، لا تُدير أزمة، بل تُدير انقلابًا ماليًّا ناعمًا.
الصّمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة.
والتّأجيل ليس حكمة، بل تهريبٌ إضافيّ للمسؤوليّة.
الخطر ليس فقط في سقوط حكومة، بل في سقوط ما تبقّى من ثقة بين الدّولة ومواطنيها. وحين تُكسَر هذه الثّقة بقانون، لا يعود الشّارع مسألة وقت، بل مسألة شكل.
ما حصل ليست خسائر… إنّها سرقة.
وسرقةُ الحقوق، حين تُقنَّن، لا تُنتِج استقرارًا، بل غضبًا مؤجَّلًا.
ومن يظنّ أنّ الشّعب سينسى، أو أنّ الجوع يُسقِط الحقّ، لا يعرف شيئًا عن لحظة الانفجار.
فحين يُسرَق المال بالقانون، يُستعاد الحقّ خارج النّصوص.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...