الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ليلة الميلاد في الضاحية: نسمات أمل وضحكات تتحدى الحروب

فاطمة فصاعي

في الضاحية الجنوبية، حيث تركت الحرب آثارها على البيوت والطرقات والقلوب، كان عيد الميلاد يُشبه نسمة هواء نقي بعد عاصفة طويلة.
هنا، بين الخراب والذكريات المؤلمة، قرر الناس أن يحتفلوا، وأن يمنحوا أنفسهم ولو للحظات شعور الفرح الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه. نعم، لهذه الدرجة كانت الحاجة ماسة لمساحة فرح!
تلألأت بعض المنازل بالأضواء الملونة، وبأكاليل من الزهور والأنوار، وأصبحت شجرة الميلاد في كل منزل نقطة جذب، تتلألأ كنجمة في سماء مظلمة. الأطفال والكبار على حد سواء تسابقوا لالتقاط الصور قرب الشجرة، يضحكون ويتبادلون الابتسامات، كما لو أن كل صورة تمحو جزءًا من الحزن الذي تراكم مع السنوات.
امتدت أجواء الاحتفال إلى بعض الطرقات، حيث شهدت الشوارع والزقاق اكتظاظًا غير مسبوق، خاصة في محلات بيع الحلويات. لم يكتفِ الأهالي بشراء الحلوى، بل انتهزت بعض الأسر هذه الليلة لتحضير “اللمة الحلوة” حيث يجتمع أفراد العائلة حول مائدة مليئة بالمأكولات الشهية، يشارك في تحضيرها عدد من ربات المنزل، ويتبادلون الضحك والقصص والذكريات.
تبادل الرفاق الهدايا داخل المدارس، ووزعوا الحلويات والشوكولاتة ، وبرز تقليد “سيكريت سانتا” ليضيف لمسة من المفاجأة والبهجة في أجواء الاحتفال حتى داخل البيئات الأكثر التزاما من الناحية الدينية.فالفرح لا دين له ولا معتقد ولا اجتهاد.
لم تقتصر الفرحة على الضاحية فقط، بل امتدت إلى القرى والمناطق البعيدة، فكان البعض يقصد من أقصى الجنوب مناطق البترون وجبيل وغيرها المعروفة في زينتها المميزة للإستمتاع في جمالية هذا العيد ولينتشر الفرح بين المجتمعات المتعطشة للبهجة.
وفي كل شارع وزقاق، بدا الحزن وكأنه يتبدد مع ضحكات الأطفال الذين عادوا من مدارسهم يحملون ما لذ وطاب في حقائبهم المدرسية بعد احتفالية آخر يوم دراسي قبل بدء العطلة المدرسية.
كأن الناس يحاولون تعليق لحظات القلق والخوف حتى إشعار آخر، ويركزون على اللحظة الجميلة، على دفء العائلة، وعلى طقوس العيد البسيطة التي تعيد للقلوب الحياة.
عيد الميلاد في الضاحية الجنوبية لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل كان رسالة أمل وإصرار. رسالة تقول إن الفرح ممكن حتى في أحلك الظروف، وأن الحب والعطاء قادران على إعادة النور إلى أي قلب مظلم، وأن روح الإنسانية يمكن أن تنبت بين الركام كما تنبت الأزهار بعد المطر.
وفي تلك الليالي، بدا كل شيء ممكنًا: الضحكات، الهدايا، الأضواء، وحتى الابتسامات التي لم يعرف الناس أنها كانت ممكنة بعد كل ما عاشوه.
عيد الميلاد هنا كان أكثر من احتفال، كان نفضة غبار الحرب، وكان وعدًا بأن الحياة تستحق أن تُعاش بكل ألوانها.
فالفرح مشترك لبلد يدرك أهله وسكانه أن التعايش هو الُّلبنة الأساسية للقيام به والسد المنيع لكل ما أتى حتى لو كان عظيماً!
فلنهلل لولادة المسيح (ع) وليهلل كل منا على طريقته…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...