آخر ظهور له في ذكرى عملية اللد، صيف ٢٠٢٤
الزميل حسن صبرا مع البطل كوزو اوكوموتو في آخر ظهور له تموز 2024 في مقبرة ابطال فلسطين حيث كان احمد يحضر سنوياً لإحياء ذكرى ابطال فلسطين، تحت رعاية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ ايام القائد المؤسس د جورج حبش
على الرغم من ان الغياب هو الكأس الذي لا بدّ ان نتجرّعه جميعنا، إلاّ أن أيقونة نضال امميّة مثل كوزو، ستترك لنا حضورها الدائم ، وستظلّ تحمل للأجيال مقولتها، فثمّة بعض من أبناء جلدتنا لبنانيون وعرباً، يرغبون بشرب البيرة في تل أبيب… يعلنون جهاراً زهوهم لقصف الجنوب اللبناني وياملون في إبادة الشعب الفلسطيني علانية، وترحيل لاجئيه جماعيّاً، من دون ان يُستدعوا للمساءلة القانونية حتى.
سنعود دائماً إلى ذاكرة كوزو التي، اشتركت كذلك، بذاكرتنا الجماعية، على الرغم من ان الرجل لا تربطنا به صلة قربى او لغة مشتركة، ونستطيع القول، الحمدلله انه لم يكن يتقن سوى بضعة كلمات بالعربية، ولم يسمع صراحةً نشاز البعض ومآثره في الكراهية والعنصرية، على الرغم من يقين الساموراي ان للحرية أعداءها من الداخل والخارج، إلاّ إنّه كان عابراً للمكان واللغة والهوية ، كان كوزو قبل أن ينطلق في رحلته لتنفيذ عملية فدائية بمطار اللّد عام ١٩٧٢،ابن عائلة ميسورة، وحين اعتنق فلسطين القضية والبوصلة لم يندم ولا للحظة، على الرغم من اشدّ انواع التعذيب التي ذاقها في سجون الاحتلال،، والأثمان التي دفعها من صحّته، اقلّ ما فيها انه كان في زنزانته الانفرادية يُرغم على تناول الطعام وهو معكوف الذراعين نحو الظهر.. ولم يندم.. ( سئل كوزو مراراً إن كان ندم ولو للحظة على مسيرة حياته النضالية، منذ انضم للجيش الأحمر إلى أن نفّذ مع رفاقه عمليّة مطار اللدّ، ثمّ سنواته في الاسر. كان قبل أن ينتهي السؤال يهز راسه بالنفي، وفي احدى المناسبات سأله رفيق له :”كوزو اذا عاد بك الزمن وراءً، هل كنت لتقوم بعملية مطار اللّد؟ فاجاب “ألف مرّة” “.
كان كوزو النحيل الجسد صاحب وجه طفولي لدرجة انك تعتقد انه طفل على الرغم من الأثر الذي تركته السنين مع زنازينها ومعاركها ، الأمر الذي لم يتغيّر حتى يوم رحيله في الثالث والعشرين من تموز / يوليو ، عدا عن التعذيب الوحشي بحق الأسرى وقد أصبح اليوم على مرأيً من العالم وقوانينه الدولية ومؤسّساته الاممية، وها إنّ هذه المنظومة برمّتها صمتت تماماً عن جرائم التعذيب والاغتصاب التي مارسها الاحتلال الصهيوني بحقّ نشطاء قوافل الصمود عرباً، وأجانب لم تحصّنهم جنسياتهم الأوروبية ولم تنقذهم ممّا تعرضوا له، لا لأنهم قاموا بعملية مسلحة قادتها شخصيّة تاريخية كوديع حداد، وإنما هم، في أدنى موقف أخلاقي، أرادوا كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني وإدخال الأدوية وحليب الأطفال الى غزّة.
يوماً، وفي جلسة جمعتنا معه، وأحد رفاق عمره في بيروت، ( الراحل سميح رزق ، وهو احد اطر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي كان يعتني بأحمد ويرعى شؤونه كوالد وشقيق وصديق ) سألت كوزو، وهو المثقف موسيقياً، والعاشق لفنّ الأوبرا، قلت له : احمد هل يمكن أن تغني لنا اغنية يابانية؟ ، لم يؤخر الطلب، وراح يغني نور بصوت عريض وابحّ ويرتفع في طبقات الصوت حين يلزم، برنين دافيء كما لو كان مغنيّاً محترفاً، حينها ابتسم سميح من قلبه وسط تصفيق الاصدقاء وكان طبيعيّاً ان نساله ماذا تعني هذه الأغنية الرائعة فتولّى سميح رحمه الله المساعدة في الترجمة.. وهي :هناك وردة برتقالية خلف الجبل، ما أجملها. وحتى تصل إليها، سيكون هناك عناء ومشقّة.. تلك الوردة البرتقالية خلف الجبل.
منذ رحيله واغنيته لا تفارق ذاكرتي، فالمشقّة من أجل الحصول على الوردة البرتقالية خلف الجبل، تشبه مشقّة الساموراي من أجل وردته فلسطين.
والساموراي في ثقافة بلاده، هو المقاتِل بِشَرَف.


